ينعي بيت الشعر في المغرب الشاعر الكبير محمد السرغيني، أحد آباء التحديث في القصيدة المغربية الحديثة، وأحد المؤسسين للدرس الأدبي الحديث في الجامعة المغربية، التي اشتغل فيها أستاذًا منذ ستينيات القرن الماضي، حيث توزّعت اهتماماته بين الإبداع الشعري والترجمة والنقد، مستفيدًا من تكوينه الأكاديمي وإتقانه للغات الأجنبية، خصوصا الفرنسية والإسبانية، مما مكّنه من الإسهام في ترسيخ حداثة الشعر المغربي إلى جانب جيل من الشعراء الروّاد.
وقد ظهرت بوادر تمرده على القصيدة التقليدية منذ أواخر الأربعينيات، حين بدأ نشر قصائده بنَفَس رومانسي متأثرًا بمدرسة المهجر، وبجبران خليل جبران على وجه الخصوص، قبل أن تتبلور تجربته الخاصة التي تستحضر التراث العربي الإسلامي والخصوصية المغربية الأندلسية، منفتحة في الآن نفسه على التجارب الشعرية العالمية.
وتمتد تجربته الشعرية لأكثر من سبعين سنة، مما أكسبها تنوعًا وغنىً جعلها عصيّة على التصنيف، وهو ما تعكسه أعماله الشعرية (غير الكاملة) التي أصدرتها وزارة الثقافة المغربية سنة 2007 في ثلاثة مجلدات.
ومن أبرز أعماله:
ويكون إحراق أسمائه الآتية (1987)، بحار جبل قاف (1991)،
الكائن السبئي (1992)،
وجدتك في هذا الأرخبيل (1992)،
من فعل هذا بجماجمكم (1994)،
من أعلى قمم الاحتيال (2004)،
تحت الأنقاض فوق الأنقاض (2012)، إلى جانب مجموعات أخرى نُشرت قصائدها في المجلات والملحقات الثقافية. كما نشر أعمالًا شعرية باللغة الفرنسية، منها:
Fès de la plus haute cime des ruses (2003)
Iram (2004).
تلقّى الفقيد تعليمه الأول بجامعة القرويين، قبل أن ينتقل في بداية الخمسينيات إلى فرنسا، ثم إلى العراق حيث حصل على الإجازة من جامعة بغداد. وفي سنة 1970 نال دكتوراه السلك الثالث من جامعة السوربون، ثم ناقش بها أيضًا أطروحته لنيل دكتوراه الدولة حول المفكر المغربي الأندلسي ابن سبعين.
حاز الشاعر محمد السرغيني جائزة الأركًانة العالمية للشعر التي يمنحها بيت الشعر في المغرب، برسم دورتها الثانية سنة 2005، وتسلمها في حفل ثقافي وشعري بهيج بمدينة فاس، كما نال الراحل جائزة المغرب للكتاب عن مؤلفه الشعري” تحت الأنقاض، فوق الأنقاض”.
بهذه المناسبة الأليمة، يُعرب بيت الشعر في المغرب لأسرة الفقيد ولأقربائه وأحبابه ومعارفه وتلاميذته ومريديه عن صادق العزاء وخالص المواساة في هذا الفقد الكبير، مستحضرا على الدوام الأثر البالغ الذي خلّفَه عطاءُ الراحل شعرا و نقدا وترجمة وممارسة أكاديمية وعملا ثقافيا، حرص فيه على مزاوجة الشعر بالفكر، و ردم المسافة بين ضفافيهما، وهو ما خول له مكانة ريادية و تأسيسية ستظل دوما محط تقدير من الحقل الثقافي والأكاديمي المغربي.
رحم الله الفقيد، وجعل مثواه الجنة.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
———-
فوتوغرافيا : الفنان الفوتوغرافي والتشكيلي أحمد بنسماعيل/ مراكش.

