حميد برادة الذي غادر دنيا الأحياء البارحة عن 87 سنة، ليس اسما عاديا في تاريخ الصحافة المغربية والفرنسية وفي تاريخ النضال السياسي الإتحادي والوطني والطلابي بالمغرب..

سيبقى في تاريخ الصحافة المغربية أنه الصحفي المغربي الوحيد الذي تمكن من محاورة ملك مغربي هو المرحوم الملك الحسن الثاني رأسا لرأس لفائدة مجلة “جون أفريك” التي كان يرأس تحريرها حينذاك.

حميد برادة كان أيضا رئيسا للإتحاد الوطني لطلبة المغرب ما بين 1962 و 1964، وحكم عليه بالإعدام غيابيا بعد أن فر إلى الجزائر (ظل مختبئا في شقة سيدة فرنسية بالدار البيضاء قبل تهريبه إلى هناك)، بعد أن شارك في تجمع عمومي ألقى فيه كلمة غير متفقة مع اندلاع حرب الرمال بين الجزائر والمغرب (كان له تقريبا نفس موقف الشهيد المهدي بنبركة بخصوصها).

حميد برادة عاش سنوات في المنفى صحفيا متنقلا بين مؤسسات إعلامية فرنسية متعددة قبل أن يعين رئيسا لتحرير “جون أفريك” لأكثر من عشر سنوات ثم التحق للعمل بعدها خبيرا إعلاميا ومستشارا بقناة تي في 5 الفرنسية قبل أن يقدم بقناة دوزيم بالمغرب برنامجا حواريا “mais encore” لسنوات يعتبر إلى اليوم من أنجح البرامح الحوارية التلفزية في تاريخ التلفزيون بالمغرب.

حميد برادة كانت له علاقة خاصة جدا مع الزعيم التاريخي للإتحاد المرحوم عبد الرحيم بوعبيد، مثلما كانت له علاقة استثنائية (وأنا شاهد على محطات كثيرة منها) مع الزعيم الإتحادي الكبير الآخر المرحوم عبد الرحمن اليوسفي.. بل إنني اشتغلت معه في ملفات محددة بتكليف من سي عبد الرحمن.. كنا نشترك معا في سعينا الدؤوب لسنوات للفوز بإنجاز مذكراته دون أن نفلح في ذلك.. (بقي الأمر مؤلما في قرارة حميد لسنوات)..

حميد برادة نخيوة، من الصحفيين “الأمراء” الذي لا يتنازل قط عن واجب تقدير دروه المهني من قبل الآخرين.. على القدر نفسه الذي ظل دوما أنيقا في هندامه ومظهره ولسانه.. له جرأته نعم، لكنه يحترم الإنسان..

حين كان رحمه يود مناقشة أمر أو ملف معي بحرص خاص (بعيدا عن الأعين) كان يختار دوما أن نلتقي في شقة لإحدى قريباته قرب ثانوية ابن تومرت غير بعيد عن فيردان بالدارالبيضاء.. هناك يأخد حريته في الكلام وفي الرأي وفي النقد وفي الغضب أيضا.. أما حين يكون الموعد عابرا فهو يختار أحد فنادق الدار البيضاء الراقية (كان يفضل كثيرا فضاء فندق حياة ريجنسي).

في إحدى المناسبات بالرباط وأعتقد أنها يوم تقديم الأجزاء الأولى من كتابات المرحوم محمد باهي التي أنجزها بوفاء وتضحية وإخلاص الأخ مبارك بودرقة بحضور الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي بمقر وكالة المغرب العربي للأنباء بالرباط، دعينا جماعة محددة من أصدقاء سي عبد الرحمن وضيوفه إلى حفل غداء ببيت الأخ والصديق حمزة كديرة الدكتور الصيدلي الناجح ورئيس هيئة الصيادلة بالمغرب. هناك كنت في دردشة مع الأخ الشاعر حسن نجمي فانتبه إلى حميد برادة وألح علي أن أقتنص منه مذكراته لأن للرجل ما يقول وما يحكي وأن تجربته غنية ومفيدة.. توجهنا صوبه رحمه الله في ما أذكر واقترح عليه نجمي الفكرة، ارتبك خجلا بعض الشئ وترك الباب مواربا لتحقيق المشروع.. فاتحته بعدها أكثر من مرة في مناسبات عدة، بعضها كان بشقة عبد الرحمن اليوسفي بالدار البيضاء وكان يقول دوما “مازال الحال”.. وأعترف أنه منذ جائحة كوفيد ورحيل سي عبد الرحمن انقطع التواصل المباشر بيننا، فقط مكالمات هاتفية متقطعة لهذا السبب أو ذاك..

أشعر بمرارة خاصة أنني لم أفلح (لم ألح ربما كما يجب) في تحقيق مشروع مذكراته، فالرجل كان عنده ما يقول..

(هنا صورة خاصة لم أنشرها من قبل ببيت سي عبد الرحمن اليوسفي للفريق الخاص الذي اختاره رحمه الله ليقدم أمامنا آخر نسخة من مذكراته قبل الطبع حيث تشرفت بوضع مقدمة للجزئين الثاني والثالث منها باقتراح من الأخ بودرقة وموافقة من سي عبد الرحمان. حيث تمت مناقشة بعض مضامينها ثم آليات طبعها ومشروع تنظيم لقاء عمومي لمناقشتها.. وهو اللقاء الذي سينظم شهورا بعد ذلك بمسرح محمد الخامس حضرته شخصيات دولية وازنة من ضمنها رئيس الوزراء الإسباني الأسبق فيلليبي غونزاليس والمبعوث الأممي إلى سورية الجزائري الأحضر الإبراهيمي).

رحمه الله الصديق حميد برادة برحمته الواسعة.

‫شاهد أيضًا‬

الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بإقليم تارودانت تعلن عن الإطلاق الرسمي لمنصة «إنصات تارودانت»،

الكتابة الإقليمية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بإقليم تارودانت تعلن عن الإطلاق ال…