رغم أن اسمه كثيرا ما ارتبط بكونه شقيق المفكر والفيلسوف الكبير محمد عابد الجابري، فإن عمر الجابري صنع لنفسه مكانة مستقلة داخل المشهد الثقافي المغربي، من خلال الدور المحوري الذي اضطلع به في إدارة دار النشر المغربية، حيث كانت «إيديما» تحت إشرافه فضاء احتضن عشرات المشاريع الفكرية والإبداعية، وفي مقدمتها المشروع الفكري والفلسفي الضخم لمحمد عابد الجابري، الذي تولت الدار طباعة ونشر جزء مهم من مؤلفاته، تلك الأعمال التي أسهمت في تجديد الفكر العربي المعاصر، وتركت أثرا بالغا في الثقافة العربية، وترجمت إلى لغات عديدة، لتصبح جزءا من المكتبة الإنسانية.
فقدت الأسرة الاتحادية، ومعها أسرة الطباعة والنشر والكتاب بالمغرب، واحدا من رجالاتها الذين اختاروا أن يعملوا في صمت، بعيدا عن الأضواء، لكنهم تركوا بصمات عميقة في الحياة الثقافية والفكرية المغربية. فقد رحل الأخ عمر الجابري، الذي ووري جثمانه الثرى يوم الأربعاء 1 يوليوز 2026 بمقبرة الشهداء بمدينة الدار البيضاء، بعد صلاة الظهر بمسجد المقبرة، في جنازة مهيبة سادتها أجواء الحزن والخشوع، بحضور أفراد أسرته وأصدقائه ومحبيه وعدد من رفاق دربه، الذين جاءوا لوداع رجل ظل، على امتداد عقود، وفيا للكتاب ولرجاله، وللمشروع الثقافي الوطني الذي آمن به وخدمه بإخلاص.
وقد انتقل الفقيد إلى عفو لله بإحدى الوحدات الصحية بمدينة الدار البيضاء صباح يوم الأربعاء 1 يوليوز 2026. والفقيد هو ابن الراحلين الحاج حمودودو عابد الجابري الفكيكي والحاجة فاطمة رحمهم لله، وينحدر من قصر زناكة بفكيك، وهو شقيق المفكر العربي محمد عابد الجابري.
وبهذه المناسبة الأليمة، تتقدم كافة الهيئات والفعاليات التي عرفت الراحل بأحر التعازي إلى أسرته الكريمة، وفي مقدمتهم زوجته الفاضلة مليكة الجابري، وبناته الفاضلات، وإخوته الأفاضل، الدكتور أحمد، سعيد، فارس، مهدي، سعاد، خديجة، نعيمة، وأمينة، وأبناء أخيه الراحل الدكتور محمد عابد الجابري ،عصام، عز الدين، وبدر، وأبناء عمومته وأخواله، وكافة عائلات عابد الجابري، بنعابد، عابد، ومعضاض.
برحيل عمر الجابري لا تفقد عائلته فردا عزيزا فحسب، ولا تفقد الأسرة الاتحادية أحد مناضليها الأوفياء فقط، وإنما يفقد المغرب واحدا من أولئك الجنود المجهولين الذين أسهموا في صناعة الذاكرة الثقافية الحديثة من وراء الستار. فقد كان الراحل يمثل نموذجا نادرا للإنسان الذي آثر العمل الصامت على الشهرة، واعتبر خدمة الكتاب والمثقفين رسالة قبل أن تكون مهنة، لذلك ارتبط اسمه، في ذاكرة أجيال من الكتاب والباحثين والصحفيين، بدار النشر المغربية «إيديما»، التي شكلت لعقود أحد أهم معاقل النشر والطباعة في المغرب.
ورغم أن اسمه كثيرا ما ارتبط بكونه شقيق المفكر والفيلسوف الكبير محمد عابد الجابري، فإن عمر الجابري صنع لنفسه مكانة مستقلة داخل المشهد الثقافي المغربي، من خلال الدور المحوري الذي اضطلع به في إدارة دار النشر المغربية، حيث كانت «إيديما» تحت إشرافه فضاء احتضن عشرات المشاريع الفكرية والإبداعية، وفي مقدمتها المشروع الفكري والفلسفي الضخم لمحمد عابد الجابري، الذي تولت الدار طباعة ونشر جزء مهم من مؤلفاته، تلك الأعمال التي أسهمت في تجديد الفكر العربي المعاصر، وتركت أثرا بالغا في الثقافة العربية، وترجمت إلى لغات عديدة، لتصبح جزءا من المكتبة الإنسانية.
لقد أدرك عمر الجابري، منذ وقت مبكر، أن صناعة الكتاب لا تقل أهمية عن كتابته. فالمؤلف، مهما بلغت قيمة عمله، يحتاج إلى مؤسسة تؤمن بالمعرفة وتحسن إخراجها إلى القارئ. ومن هذا المنطلق، ظل حريصا على أن تكون «إيديما» أكثر من مجرد مطبعة؛ كانت بيتا للكتاب، وفضاء للحوارات الفكرية، وملتقى للأدباء والمفكرين والصحفيين، ومؤسسة ساهمت في ترسيخ تقاليد مهنية رفيعة في مجال الطباعة والنشر.
ولم يكن الراحل ينظر إلى الكتاب بوصفه سلعة تجارية، بل باعتباره حاملا للمعرفة ورسالة ثقافية. لذلك اكتسب احترام كل من تعامل معه، سواء من المؤلفين أو الباحثين أو العاملين في قطاع النشر، إذ عرف عنه حرصه الشديد على جودة العمل، ودقته في المتابعة، ووفاؤه للكلمة التي يعطيها، وهي صفات جعلت اسمه يقترن بالثقة والالتزام.
وقد استعاد الروائي أحمد المديني هذا المسار الحافل بالنضال والعطاء في شهادة مؤثرة نشرها على صفحته الرسمية بموقع فيسبوك، حيث كتب: «فقدت الأسرة الاتحادية ومعها العائلة الكبيرة للاتحاد الاشتراكي، والطبقة العاملة للمطابع المغربية مناضلا ورائدا وراعيا أخانا عمر الجابري الذي رافق ولادة جريدة «المحرر»، وعمر بنجلون، وعبد الرحيم بوعبيد، وشقيقه محمد عابد الجابري، وتولى إدارة مطابع دار النشر المغربية بمعية عمال مناضلين، ندين له بكثير، رحمه لله.»
وتختزل هذه الشهادة مسارا كاملا من الالتزام السياسي والثقافي، إذ كان عمر الجابري حاضرا في محطات مفصلية من تاريخ الحركة الاتحادية، من خلال مساهمته في توفير السند التقني والمهني لمؤسسات إعلامية وثقافية شكلت علامات بارزة في تاريخ المغرب المعاصر. فقد ارتبط اسمه ببدايات جريدة «المحرر»، التي كانت مدرسة صحفية ومنبرا سياسيا وثقافيا مؤثرا، كما رافق شخصيات وطنية بارزة من حجم الشهيد عمر بنجلون والزعيم عبد الرحيم بوعبيد، وظل وفيا للقيم التي جمعتهم جميعا.
ومن بين أبرز الشهادات التي أعادت رسم صورة الراحل، تلك التي كتبها الناقد المغربي نجيب العوفي، الذي استحضر سنوات طويلة من العمل واللقاءات داخل فضاءات دار النشر المغربية، مؤكدا أن عمر الجابري كان يمثل العمود الفقري الحقيقي وراء صدور عشرات العناوين الأدبية والنقدية والفكرية التي أغنت المكتبة المغربية والعربية. ولم يكن حضوره صاخبا أو استعراضيا، بل كان حضور الرجل الذي يشتغل بصمت، ويحرص على أن تصل الكتب إلى القراء في أفضل صورة، دون أن يبحث عن أي مكسب شخصي أو مجد إعلامي
أما الصحفي والحقوقي مصطفى العراقي، فقد اختار أن يسلط الضوء على الجانب الإنساني في شخصية الفقيد، مؤكدا أن عمر الجابري ظل وفيا لبساطته، ولمهنته، ولمبادئه، رغم التحولات التي عرفها قطاع النشر والطباعة. وأضاف أن دار النشر المغربية ستظل مرتبطة باسمه، لأنه كان الرجل الذي ضحى بالكثير من أجل الحفاظ على ذاكرة الكتاب المغربي، في زمن أصبحت فيه الاعتبارات التجارية تطغى أحيانا على الرسالة الثقافية.
وبلمسة إنسانية تعكس عمق العلاقة، نعى عبد الحميد جماهري، مدير نشر وتحرير جريدة الاتحاد الاشتراكي، صديقه الراحل، مستذكرا مسارا طويلا من العمل المشترك، حيث قال: «لله أكبر لله أكبر الله أكبر. الأخ والصديق عمر الجابري صاحب مطبعة دار النشر المغربية «ايديما»، وشقيق المفكر الكبير عابد الجابري إلى عفو لله. رحل عمر ،كنت أناديه «عمرينو»، ككل عمر عزيز عندي.. بعد حياة فريدة وبعد أن أقعده المرض في الشهور الأخيرة. رحل الرجل الذي احتضننا في مكاتب «ايديما» أيام بدايات «ليبراسيون» في تسعينيات القرن الماضي، حيث تعلمنا طرق الصحافة بجوار الكتب وكبار الأسماء.. رحلت معه قصص كثيرة ومسيرة طويلة للطبع، كان لي فيها نصيب معه. منها الطبعة الأولى لسيرة محمد الرايس في تازمامارت.. وكتاب «ذهبنا إلى الصين وعدنا من المستقبل» و»نثريات الغريب».. حتى وإن كان قد توقف عن طبع غير الكتاب المدرسي بسبب تفاصيل ليس مجال ذكرها.. منذ أسابيع كان قد كلف المشرفة الفاضلة على الكتب أن تتصل بي من أجل استرداد نسخ ظلت في مخازن الدار. من الكتابين الأخيرين. كانت تلك طريقته ربما في السلام الأخير.. رحمك الله «عمرينو».. .
وتتفق باقي الشهادات، ومنها كلمة الدكتور عبد القادر وساط (أبوسلمى) الذي عبر عن حزنه لرحيل قامة ارتبطت في ذاكرته بمحطات لا تنسى، مؤكدا أن عمر الجابري سيظل حاضرا في وجدان كل من عرفه، بما تحلى به من أخلاق رفيعة، ووفاء للمبادئ، وإخلاص للكتاب ولأهله.
إن الراحل عمر الجابري ينتمي إلى جيل آمن بأن خدمة الثقافة عمل وطني، وأن الكتاب ليس منتجا عابرا، بقدر ما هو ذاكرة أمة، وحصيلة جهد جماعي، ورسالة تستحق التضحية. رحم لله الفقيد رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وأصدقاءه وزملاءه جميل الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.
عن جريدة الاتحاد الاشتراكي
