كشفت بوضوح نتائج استحقاقات 23 شتنبر 2026 عن هيمنة أحزاب معينة على المشهد السياسي الملتبس، بل إنها عكست حقيقة أزمة الخيار الديمقراطي واليساري في المغرب اليوم، وانتكاسة مقلقة يُعبّر عنها لسان حال قطاع واسع من النخب الفكرية والشبابية التي تشعر بالخيبة والاحتراق السياسي جراء مشهد بات محصورا بين سلطة المال والافتراس من جهة، وتجار الدين واستغلال المشاعر الروحية من جهة أخرى. مما يؤكد أن قراءة الساحة السياسية من خلال هذا المنظور تبرز مجموعة من الإشكاليات الهيكلية، وتستدعي الحلول الكفيلة بإعادة التوازن.
من المعلوم أن الخلود في المقاعد، وجمود الهياكل التنظيمية لبعض الأحزاب المحسوبة على اليسار، وغياب التداول الحقيقي على السلطة داخلها، أدى إلى نفور العديد من المناضلين الشرفاء وتغييب الطاقات الشابة. والأخطر من ذلك أن النزعة الذاتية وحروب الزعامات الفردية ردمت المساحات الشاسعة التي كان ينبغي أن تخصص للتأطير المجتمعي، والتلاحم النضالي، والانتصار للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
وبقدرة قادر، استسلمت الأحزاب الديمقراطية لـ “فراغ” التأطير الميداني بعد انسحاب مكونات اليسار من الجامعات والكليات، في حين تم تجريف الحقل النقابي وإضعاف الفعل الجمعوي مع استنبات جمعيات الريع، حيث فُتح الباب واسعاً أمام قوى المال وخطاب المد الديني لملء هذا الفراغ عبر شبكات الدعم الاجتماعي والإغراءات الانتخابية. فكانت النتيجة زواجا عرفيا بين السياسة والمال والدين، وردم كل إشراقات الخطاب السياسي والحقوقي.
في غياب طبقة برجوازية وطنية، وأمام هذا المد الكاسح لـ “زواج المال بالسياسة” و “زواج الدين بالسياسة”، لم يتبق للوطن وللمواطن الشريف والنزيه الذي فقد موقعه ووجوده بين مكونات الطبقة المتوسطة سوى خيار الوعي والبديل التاريخي. بدليل أن الأزمات الاجتماعية والاقتصادية المتصاعدة تُثبت يوميا أن الحلول التقنوقراطية أو الخطابات الدينية لن تقدم إجابات حقيقية لمعادلات الحقوق والكرامة والتنمية والعدالة الاجتماعية، وأن الفكر التقدّمي المنحاز للمستضعفين والطبقة المتوسطة يظل ضرورة ملحة لا رفاهية فكرية.
من الواجب على القوى اليسارية والديمقراطية أن تتعاقد على رسم خارطة طريق للتعافي والعودة إلى الساحة السياسية، بشروط يحددها سلوك النقد الذاتي الشجاع، والاعتراف بالإخفاقات التنظيمية التي تعتمد على “الإنزال”. والقطع مع خطابات “لغة الخشب” التي لم تعد تقنع الشارع المغربي، والعمل على تجميع الشتات اعتمادا على قيمة التنازل عن الأنا الحزبية الضيقة والتكتل في جبهة أو حزب تقدّمي موحد يجمع العائلات اليسارية والديمقراطية المتفرقة. إلى جانب الرهان على استقطاب الطاقات الشابة من خلال فتح باب “القرار” أمام الأجيال الجديدة الصاعدة، وربط النضال بالقضايا المجتمعية الحديثة (مثل: العدالة المناخية، التحول الرقمي، الشفافية…)، فضلا عن الاستثمار في الفكر والثقافة ومختلف الفنون والإبداعات والتأطير الشعبي المباشر بدلا من الانشغال بالتهافت على المقاعد وكراسي المتاجرة في سوق “التفاهة” الانتخابات الموسمية.
من المعلوم أن لحظات الانكسار الانتخابي غالبا ما تكون النقطة المحورية للولادة الجديدة، على اعتبار أن الوطن بحاجة ماسة إلى يسار ديمقراطي قوي، متجدد، وموحد يستعيد دوره التاريخي كصمام أمان، لبناء دولة المؤسسات والحقوق والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروة، والإنصاف والكرامة والمصالحة مع المجال والإنسان.
إن الهيمنة الترابية التي أفرزتها نتائج انتخاب أعضاء مجلس النواب بفعل “زواج المال بالسياسة والدين” تنبه وتدق ناقوس الخطر إلى إمكانية السيطرة على المحلي والإقليمي والجهوي من نفس “التَّرِّيكَةْ”، بالنظر إلى أنها ليست مجرد فوز بمقاعد إدارة الشأن العام، بل هي تجفيف لمنظومات التأطير وقنوات وقواعد القرب الميداني، وإحكام للقبضة على منابع الموارد والثروة وشبكات العطاء التي تُصنع عبرها الخرائط الانتخابية القادمة.
إن التخوف مِنْ ألَّا تجد عائلة الأحزاب الديمقراطية واليسارية مساحة سياسية بحلول استحقاقات 2027 هو تخوف مشروع وله ما يبرره، لأن السياسة لا تقبل الفراغ، والطرف الذي يمتلك المال والنفوذ والمؤسسة المنتخبة المحلية يرسخ وجوده كأمر واقع يصعب زحزحته إعلاميا أو خطابيا فقط.
في هذا السياق، فإن المخرج الوحيد من واقع “الشتات” و”التشرذم” يستوجب إرادة حقيقية للتغيير ترتكز على القطع مع التهافت والمواقع، وتحويل النقد الذاتي إلى ممارسة تنظيمية بفرض التداول على المسؤوليات الحزبية، وفتح المجال للوجوه الشابة والأنماط التفكيرية الجديدة، فضلا عن ضرورة اختيار المناضلين بناءً على نظافة اليد، والامتداد الشعبي، والنزاهة الفكرية، لا على القرب من “عائلة” مراكز القرار داخل الأحزاب.
إن اللحظة تقتضي تجاوز الحسابات الضيقة لتجميع شتات اليسار في تكتل حقيقي، من خلال إيجاد صيغة إدماج/جبهة تنصهر فيها الإرادات التقدّمية وتطوي الخلافات الإيديولوجية التاريخية لصالح مشروع حداثي موحد، بالتركيز على المشترك التنموي “العدالة الاجتماعية والمجالية”، “مجانية الخدمات الأساسية”، “التوزيع العادل للثروة” بصفته أرضية جامعة لكل المكونات.
بطبيعة الحال، إن العمل السياسي والحزبي الانتخابي بدون ذراع مجتمعي هو عمل أجوف، والعودة إلى الساحة السياسية تقتضي إحياء أربع روافع أساسية:
1. العمل النقابي: للدفاع عن الكرامة والقدرة الشرائية.
2. العمل الثقافي: لإعادة بناء الوعي والفكر النقدي.
3. العمل الجمعوي: من خلال التواجد الميداني في الأوساط الاجتماعية.
4. التأطير الاجتماعي: لمساندة الفئات الهشة والمستضعفة.
إن بناء برامج محلية واقعية، يتطلب اليوم استباق الاستحقاقات الترابية لكشف اختلالات التدبير الحالي للجهات والجماعات عبر تقديم البدائل الحقيقية على مستوى الخدمات العمومية مثل الصحة، والتعليم، والشغل، والنقل، والتهيئة، والمرافق العمومية…بالموازاة مع التركيز على ضرورة فتح المقرات الحزبية من أجل الاشتغال على صناعة النخب الترابية وتشجيع الشباب والنساء والفاعلين الميدانيين على الترشح، وتوفير الدعم والتأطير اللازمين لمواجهة نفوذ قوى المال.
خلاصة القول، إن الرهان اليوم ليس مجرد وجود في الخريطة السياسية، بل هو استعادة الثقة في جدوى الفعل السياسي برمتها، واسترجاع تلك الثقة يبدأ بالجرأة في التنازل والتواضع أمام نداء الوطن والمواطنين.
