عمر الوطن والشعب المغربي يمتد لآلاف القرون ، وعمر الدولة المغربية بعهود حكامها من الممالك الأمازيغية إلى الممالك الإسلامية من الأدارسة فالمرابطين ثم الموحدين فالمرينيين إلى السعديين ثم العلويين ، حيث كان الشعب مستقرا بأنظمته الاجتماعية والاقتصادية والتدبيرية للمجالات القبلية المنفردة وبتحالفاتها الاستراتيجية التي تؤطر مناطق شاسعة تعدل أحيانا مساحة ما يعرف اليوم بالاقليم والجهة ومناطق المغرب في علاقة بين القبائل ، كما كان رجالهم ونساؤهم يقومون بالمهام المدنية والمعيشية الكاملة من الرعي و الفلاحة والخدمات والصناعات التقليدية والتعلم والريادة، وامتلاكم الحكيم والعادل لتشريعات عرفية ملزمة منها : – تنظيم تدبير مجالات “تاكانت –tagant– التي يتقاسم ساكنة المجال تملكها بوضوح يحقق عدالة في الرعي المنظم وفي جمع الحطب وفي جني الثمار والغلال والاعشاب الطبية ومواد البناء ، وهي التي أصبحت تسمى في القوانين المستحدثة ” الغابة ” –la forêt – ، كما يقومون بأعمال الصيد البحري ويدافعون عن المجال البحري والشواطئ ويواجهون الغزاة والقراصنة الذين يهاجمون ويهددون الأراضي المقابلة للبحر ويطمعون في التوغل إلى عمق المغرب في مختلف تراب الوطن من البحر الأبيض المتوسط وجبال الريف والاطلس المتوسط إلى الاطلس الكبير والاطلس الصغير و كل السهول الشمالية والوسطى والشرقية والغربية إلى الصحارى الجنوبية والجنوبية الشرقية والوسطى الشرقية والواحات ..إلخ
وكان سكان تلك المجالات الجغرافية المحلية بامتداداتها المجاورة والعميقة فيما يسمى الآن بالأقاليم والجهات على امتداد المغرب بكل أسمائها القديمة يتقاسمون في غالبيتهم اللغة الامازيغية بلهجاتها المختلفة وكذا الدارجة المغربية بمختلف أنواعها كما يتشابهون في التشريعات العرفية المتوارثة والمتواترة التي هي الأصل القانوني المنظم لأنواع الملكية الفردية والأسرية و الجماعية والمشتركة الفلاحية وتنظيم الري واستغلال الموارد المائية ،وكل اشكال استغلال الغابات بما يحفظ حقوق الأفراد والعائلات والقبيلة والقبائل المجاورة لها وانضاف إليها تدبير الأراضي الموهوبة والمحبسة لأغراض معينة وموضوعات محددة في علاقة بالضوابط العرفية الامازيغية والشرعية الإسلامية …
وفي علاقة بالقوانين والمراسيم والظهائر التي صدرت غالبيتها زمن الاحتلال الفرنسي مما تسبب في تصادم مع الشعب المغربي في أكثر من منطقة لمواجهة وإفشال مخططات نزع الأراضي من أصحابها وتصنيفها بالقوة والقهر إلى “غابات” للدولة وما سمي بأراضي الأملاك المخزنية ، أما الاملاك الحبسية فتتميز بأن المغاربة هم من يحبسون عقاراتهم لوجه الله تعالى لموضوع يحددونه .. ووثق التاريخ قيام الاحتلال الفرنسي بانتزاع أجود أراضي المغرب لفائدة الإقطاعيين الفرنسيين وبعض الأعيان المتعاونين معهم ومن يسير في فلكهم بإحداث ضيعات تحت مسمى شركتي “صوديا” و”سوجيطا” SODEA و SOGETA )..إلخ ، كما قام بعض القواد المتعاونين مع الاحتلال من انتزاع أملاك الناس وتملكها بالقوة وتواطؤ المحتل الاجنبي ، و قامت الدولة المغربية بعد الاستقلال وفق إجراءات متوافق عليها باسترجاعها ونقل ملكيتها للدولة المغربية ..فأصدرت تشريعات بالتدرج منها : – ظهير 29 شتنبر 1963 ” الجريدة الرسمية عدد 2657 بتاريخ 27/09/1963 الصفحة 2247، ، وقرر الملك الراحل إعطاء حق الانتفاع من غلل الأراضي المسترجعة المتواجدة بكل إقليم لبعض الفلاحين في إطار تسييرها تلك ..
– ظهير بتاريخ 2 مارس 1973 ، الجريدة الرسمية عدد 3149 بتاريخ 07/03/1973 الصفحة 687.” الذي تنقل بموجبه إلى الدولة ملكية العقارات الفلاحية أو القابلة للفلاحة التي يملكها أشخاص ذاتيون أجانب أو أشخاص معنويون ، ونص الفصل الثامن من هذا الظهير على ما يلي: ” يترتب عن نقل الملكية المشار إليه في الفصل الأول أعلاه منح تعويض طبق شروط تحدد فيما بعد . ”
إن قضية الأرض بالمغرب قائمة على مرتكزات الهوية والثقافة والتملك والإستغلال والتدبير ، إنها محور الذاكرة المشتركة والوجود التاريخي العريق ومن هنا وجب التنبيه إلى أن فقدان الأرض وتقييد وتعطيل الاستغلال والتملك المادي والمعنوي والعرفي الضامن لاستمرار الوجود الانساني يضعف ويقهر ويفكك القبائل والتجمعات السكانية و يتسبب في الهجرة بسبب التهميش والخصاص والعزلة إلى ضعف وجود المرافق العمومية والخدماتية الضامنة للعيش والاستقرار ..
وعليه، فإن الترافع والنضال المشروع والحكيم لساكنة الاطلس الصغير والكبير والمتوسط والريف والسهول …إلخ يعبر بصدق وجدية عن صراع وجودي وهوياتي بعمق تاريخي وثقافي يهم الشعب والدولة باعتبارهم الحصن القوي لمواجهة كل أنواع الإحتلال وكل حملات الغزو ،وباعتبار الشعب هو المساهم الفاعل في تأسيس أنظمة الحكم الملكية وخدمتها من الممالك الأمازيغية إلى الدولة العلوية للمحافظة على الاستقرار والمساهمة القوية في التنمية بمسمياتها منذ قرون ولحماية التراب الوطني وتقوية الدولة .. ،
إن نضالهم وترافعهم هو مسألة وجود وحياة وهوية كعلاقة شجرة الأركان بالأرض “argan “وامتدادات أماكن وجودها ، وكعلاقة المخلوقات كلها بنظام التنوع الحياتي في كل مجال ترابي ، وكعلاقة المنطقة بالمناخ …
إن الباب الرئيسي الواجب على القطاعات الحكومية المعنية معرفته تحت المسؤولية الكاملة للحكومة سياسيا وأخلاقيا وإنسانيا وحقوقيا ووجوديا ، قبل استصدار دوريات أو مذكرات أو مشاريع مراسم في علاقة بتغيير ملكية وهوية الأرض – أكال akal – :
هو التاريخ الذي يوثق لوجود الإنسان وارتباطه بالأرض ،
إجتناب كل ما يؤثر سلبيا على الساكنة والمستغلين والممتلكين للأراضي تلك المجالات العظيمة منذ أجيال إنسان إيغود وتافوغالت وأنفا إلى ماقبل الاحتلال الغاشم ، إلى اليوم .. وهذا ما ندفع به وطنيا ودوليا بشكل قطعي وواقعي أن المغرب ليس أرضا خلاء وكذلك حال جباله وسهوله وصحاريه وسواحله وهذا يعني الشعب والدولة على حد سواء …
ونستحضر في هذا الإطار جوهر مذكرات وتصريحات وبلاغات وتظاهرات وشعارات المحتجين في العديد من مناطق المغرب للمطالبة بحماية حقوقهم الثابتة في المجال الترابي القبائلي التاريخي لمنع كل أشكال الترامي التي قد تحصل من “شناقة” الأراضي الذي يسعون إلى تملكها بمبرر أنها أرض خلاء باستغلالهم وتوظيفهم السلبي لما يعرف “بمدونة الحقوق العينية” وكأن هذه الأراضي التاريخية خلاء وسكانها مجرد لاجئين أو مقيمين منذ الأزل بصفة مؤقتة ،
و هنا نثير الانتباه إلى المادة 222 من القانون 39.08 المتعلق بمدونة الحقوق العينية التي تنص على أن : (( الأراضي الموات التي لا مالك لھا تكون ملكا للدولة، ولا يجوز وضع اليد عليھا إلا بإذن صريح من السلطة المختصة طبقا للقانون)) ، والمادة 223 تنص على أن : (( من أحيى أرضا من الأراضي الموات بإذن من السلطة المختصة فله حق استغلالھا )) ، والمادة 224 تنص أيضا على ان : (( يكون إحياء الارض الموات بجعلھا صالحة للاستغلال، ويتم إحياؤھا بزراعتھا أو غرس أشجار بھا أو إقامة منشآت عليھا أو تفجير ماء بھا أو صرفه عنھا )) ،
ومن الانصاف والصدق أن نستحضر بطولات ساكنة الاراضي المغربية حيث شكلت حركات المقاومة والتحرير من قبائل الاطلس الصغير والمتوسط والكبير والريف لمواجهة جيوش الاحتلال الأجنبي الغاشم الذي لم يتمكنوا من التحكم والهيمنة المؤقتة ليسلبوا الأراضي المغربية حتى 1934 ، حيث قدموا شهداء بالآلآف وواكب ذلك القمع والاعتقال والنفي والترهيب والتقتيل الذي مورس على الناس لوضع حد للمقاومات والجهاد مما أدى إلى هجرات متعددة في حقب وعقود متتالية حيث خلقوا فرصا للعمل في كل مدن وحواضر المغرب وأصبحوا قوة تنموية واقتصادية ، كما أسس وشارك العديد منهم في المقاومة السرية المسلحة في مراكش والبيضاء والرباط وحواضر سوس وحواضر الغرب والشرق والشمال والصحراء المغربية .. ، وفي مقابل كل هذا أصبحت أراضيهم في العوالم القروية أقل حراسة واستغلالا بسبب الهجرة الاضطرارية ، ومما عقد الأوضاع أن سكان البوادي المغربية ومجالاتها الترابية وخاصة جبال المغرب لايزالون يعانون بعد 70 سنة من الاستقلال من التهميش والخصاص وغياب و نقص مزعج في الخدمات ، ..
ومن هنا يجب الاحتراز مع اليقظة كي لاتستغل بعض مواد مدونة الحقوق العينية من “شناقة ومافيا” العقارات الذين يملكون من الأموال والنفوذ ما يكفي للتناور والترامي و”تملك” أراضي السكان باستغلال ما يسمى ” إحياء الأرض ! ؟
وفي مقابل ذلك توضع شروط وضوابط جد معقدة عندما يريد سكان العالم القروي تحصين وتحفيظ أملاكهم مما يتطلب استخراج وثائق الملكية لتوثيق شهادة اللفيف المرتبطة لزوما بالحصول على شهادات من القطاعات الحكومية من الاحباس والاراضي الغابوي و أراضي الجموع .. ،
إن الدولة مدعوة لضمان استقرار ساكنة المناطق القروية بتوقير المجال الترابي للدواوير والعمل الفلاحي والزراعي والرعوي بمنهجية تنموية عادلة تنمي الاقتصاد والمنتوجات المحلية والسياحة القروية والبيئية ، وتأهيل التجمعات السكانية بما يتلاءم مع خصوصيات وأنظمة العيش الضامنة لتقدمهم ، وفك العزلة فعليا عن القرى بالجماعات الترابية القروية ، وضرورة التعجيل بتقريب الخدمات الاجتماعية والتاطيرية المتعاونة مع الساكنة ..
(…مع الأسف، ما تزال هناك بعض المناطق، لاسيما بالعالم القروي، تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، بسبب النقص في البنيات التحتية والمرافق الأساسية...) من خطاب العرش 2025 .
مصطفى المتوكل الساحلي
