أعتبرُ الكتابةَ عقدا نبرمهُ اختيارا مع أحلامنا. وحيث إن هذه الأحلام في ذاتها ليست سوى ذلك التاريخ المسكوت فينا، فإن الكتابة هي السردُ الممكن لقوّة هذه الصيرورة في سياق التحول، والسيرورة في سياق الحركة. فكلا الحرفين هنا دالٌّ، سواء تعلّق الأمر بصاد التجلي، أو بسين الامتداد. وفي كلٍّ خيرٌ وجمالٌ وحقٌّ … وفي كلٍّ قلقٌ أيضا.

نحن نكتب لأن رؤوسنا ليست فارغة، ولا تبين عن بدايات البياض، ولا تنطلق من عدمٍ خاوٍ. هناكَ إمكانياتٌ كبيرة من الرؤية ومن الرؤيا، بحرفيْ التاء المقيّدة، والمُطلقَة، في شرطينِ يدمغان فعل الكتابة بالقدرة على ترجمة الأحلام القريبة والبعيدة ترجمة يوهيمرية، تقبض على الحلم في طبيعته النووية، ثمّ تبني فوقه كلّ القشرات الأسطورية الممكنة. وهي القشرات التي لا علاقة لها بالواقع القاضي بسلطة التسجيل والمرآتية، وإنما هي قشرات الصوغ الهارب من قبضات التقنين، بحيث تصبح الكتابة والحلم توأمين يمارسان باقتدارٍ عرفاني لا عارف، حكاية هذا التاريخ الشخصي لكل فردٍ يمارس فعل الكتابة، ولكل جماعة أيضا… من ثمّة حصول الجمالِ في الكتابة مندمغا بمقولة القلق، لأن الكتابة لا تسجّلنا في سردٍ آلي وبليد، وإنما تؤرّخنا في توتّر قمينٍ بالحذر من تأويلنا داخل مجموعة من المقولات البشرية المنمّطة.

وهكذا، فالكتابة الهادئة غير واردة في هذا السياق، لأن أحلامنا غير هادئة، وبالتالي فكلّ التخريجات الصوغية في عالم الكتابة هي تخريجاتٌ رافضة، ولا أقول مرضية بالمفهوم الفرويدي، وإنما هي متمرّدة على شبه الممكن فينا والذي تخلقه مؤسسات خارجة عن اختيارنا ولم تستشرنا البتّة في اشتغالها في ذواتنا. مثل مؤسسة التربية التي تعاملتْ معنا خارج شروطنا المتحولة والمتغايرة والتي اشتغلت فينا بمنطق الخوف.

الكتابة إدانة صارخةُ لتاريخ وأد الأحلام، حيث تمّ الاشتغالُ فينا كمختبرات صغيرة لفعل النسخ ولترجمتنا إلى مشاريع مشابهة، ومتكررة، ولا أصالة فيها ولا خصوصية… من هنا نفهم مقولة التوتّر الشديدة فينا ونحن نكتب… إننا لا نكتب انطلاقا من درجة الصفر في مواجهة صافية لقدرنا الأبيض، ولكننا نكتب في توتّر دائم في صراع دائم نحاول فيه أن نزيل تاريخ السرد الآخر فينا قبل البداية في سردنا الشخصي. وهذا يأخذ منا تاريخا مهدورا من الزمن الملغي والمستهلك في هامش المقاومة. إننا في حقيقة الأمر لا نكتبنا، بل نكتب تاريخ الهدر فينا، وما زلنا في عتبات التصحيح، نحاول أن نبتعد عن سرد الآخر لأحلامنا. ما زلنا لم نسرد بعدُ أحلامنا المصلوبة على مقاصل الآخر الذي أرادنا في صورةٍ غير الصورة التي نريد، سواءٌ تعلّق الأمر بالآخر (المجتمع الذي أنجبنا) أو تعلّق الأمر بالآخر (المجتمع الذي أدهشنا).

الكتابة، إذن، هي محاولاتٌ وجودية لرأبِ الشرخ الحاصل فينا والذي بناه غيرنا وشكّلهُ صرحاً ممرّدا بيننا وبين أحلامنا. وما عسانا في هذا السياق المتوتّر جدّا إلا أن نبحث عن صيغٍ جديدة تشبهنا ولا تشبه ردّ الفعل فينا.

أبوشامة نورالدين حنيف\المغرب

من كتابات الاخ ابو شامة على صفحته الفيسبوكية الخميس 27 غشت2026.

‫شاهد أيضًا‬

ما لا تلتقطه الكاميرات * الحسين بوخرطة

في المدينة التي كانت تنام قديمًا على أصوات الباعة وتستيقظ على رائحة الخبز، صار الليل أكثر …