حين تدخل الخوارزميات إلى صناديق الاقتراع
رهانات انتخابات 2026 في المغرب
أول اختبار ديمقراطي في عصر السيادة التأويلية
عبدالله مديد — عضو المجلس الوطني للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
 
مدخل: سؤال لم يطرحه المشرّع صراحةً
حين صادق البرلمان المغربي عام 2011 على القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، كان العالم الرقمي هامشاً في السياسة لا مركزها. كانت شبكات التواصل الاجتماعي في طور الصعود، والخوارزميات لم تكن بعد قوة انتخابية معترفاً بها. وكان السؤال الذي يؤرق المشرّع آنذاك بسيطاً ومباشراً: كيف نحمي الصندوق؟
أما في يناير 2026، حين نُشرت في الجريدة الرسمية تعديلات جوهرية على هذا القانون، فقد تغيّر السؤال في صميمه: كيف نحمي العقل قبل أن يصل إلى الصندوق؟
هذا التحوّل ليس تقنياً ولا إجرائياً فحسب. إنه تحوّل في فلسفة الديمقراطية ذاتها، من حماية إجراء إلى حماية إرادة. ومن هنا تأتي أهمية قراءته بعيون تحليلية في عشية انتخابات 23 شتنبر 2026.
 

  1. لم تعد المسألة تقنية فقط
    لأول مرة تتضمن النصوص الانتخابية المغربية مقتضيات صريحة تتعلق باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق خلال العمليات الانتخابية، بما يعكس انتقال المشرع من التركيز على سلامة الاقتراع إلى الاهتمام بسلامة البيئة المعلوماتية السابقة عليه. وبموجب قوانين تنظيمية غير مسبوقة (53.25 و54.25 و55.25)، أُدرج الذكاء الاصطناعي صراحةً في النصوص القانونية المنظمة للعملية الانتخابية.
    الرهان لم يعد فقط: من يصوت؟ أو لمن يصوت؟ بل أصبح سؤالاً أكثر جوهرية: كيف تتشكل خيارات الناخبين أصلاً في بيئة خوارزمية؟ حين تصل عقوبة استخدام الذكاء الاصطناعي لبث تركيبات مصطنعة من أقوال الأشخاص وصورهم دون موافقتهم، أو لصناعة محتوى كاذب بقصد المساس بنزاهة العمليات الانتخابية، إلى خمس سنوات سجناً وغرامات تصل إلى 100 ألف درهم (المادة 51 مكررة، القانون التنظيمي 53.25، المُقرَّة بقرار المحكمة الدستورية 259/25)، فإن المشرع يُقرّ ضمنياً بأن المعركة الانتخابية الحقيقية باتت تدور في خوارزميات المنصات الرقمية.
     
  2. طابقان لا قانون واحد: المقارنة بين 2011 و2026
    الفهم الصحيح للمنظومة الانتخابية المغربية اليوم يقتضي إدراك أنها باتت ذات طابقين متراكمين لا متناقضين: الطابق الأول — قانون 2011 — لا يزال سارياً بكامل مواده المتعلقة بسلامة الصندوق والورقة والفرز والمحضر. أما الطابق الثاني — تعديلات 2026 — فقد أضاف منظومة جديدة كلياً تحمي عقل الناخب قبل أن يصل إلى الصندوق.
    ويتجلى هذا التحول في ستة محاور رئيسية:
    — وسائل الدعاية: كان قانون 2011 يقتصر على الإعلانات والمنشورات الورقية والمطابع، فيما أدرجت تعديلات 2026 صراحةً شبكات التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية (المواد 39 و51 و53 و115).
    — الأخبار الزائفة: لم تكن موجودة في قانون 2011 الذي ركّز على حشو الصناديق وشراء الأصوات، فيما أقرّت المادة 51 مكررة عقوبة الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة تصل إلى 100 ألف درهم على صناعة المحتوى المزيف.
    — التزييف العميق: غائب كلياً من قانون 2011، حاضر في المادة 51 مكررة من خلال تجريم تركيب أقوال شخص أو صورته دون موافقته.
    — المنصات الإلكترونية: لم تُذكر في 2011، وأصبح إيداع الترشيحات إلكترونياً إلزامياً بموجب المادة 23، فضلاً عن حسابات الحملات (المادة 95).
    — الوكالة الإلكترونية: مستحدثة بالكامل في المادة 72، تتيح للمغاربة المقيمين بالخارج التصويت بالوكالة عبر منصة إلكترونية.
    — استطلاعات الرأي: لم تُحظر بوسائل رقمية في 2011، فيما أقرّت المادة 115 حظر استطلاعات الرأي بالذكاء الاصطناعي خلال فترة الصمت الانتخابي.
     
  3. السيادة التأويلية: مفهوم يصبح قضية انتخابية
    يُقصد بالسيادة التأويلية قدرة الجماعة السياسية على الحفاظ على استقلاليتها في إنتاج المعنى العمومي وتحديد أطر فهم الواقع المشترك، بعيداً عن أشكال الهيمنة التي تمارسها البنى التقنية أو الاقتصادية أو الإعلامية. وفي العصر الرقمي، تتخذ هذه الهيمنة شكل خوارزميات تحدد ما يُرى وما يُحجب داخل الفضاء العمومي.
    لفهم ما يجري، لا بد من التمييز بين مفهومين كثيراً ما يُخلط بينهما: السيادة الرقمية — سؤال تقني يتعلق بالتحكم في البنية التحتية والبيانات والخوارزميات. والسيادة التأويلية — سؤال ديمقراطي أعمق: من يملك حق إضفاء المعنى على العالم؟ ومن يحدد ما هو مرئي وما هو محجوب في الفضاء العمومي الرقمي؟
    وفي المغرب تحديداً، يكتسب هذا السؤال أبعاداً إضافية: كيف تُمارَس السيادة التأويلية في مجتمع تتعايش فيه العربية والأمازيغية والدارجة والفرنسية، ومرجعيات دينية ومدنية متعددة؟ هل يمكن لخوارزميات صُممت في سياقات ثقافية أخرى أن تعكس تعقيد المجال العمومي المغربي — أم أنها ستعيد إنتاج تحيزات ثقافية مضمرة لا يراها أحد؟
    ما يجعل الخوارزمية مختلفة عن الدعاية الحزبية التقليدية ثلاثة أشياء: الخفاء، لأنها لا تعلن أنها تأطّر بل تقدم نفسها مرآة محايدة. وغياب الشفافية، لأن المواطن لا يعلم لماذا رأى هذا المحتوى دون ذاك. والحجم والسرعة، لأنها تؤثر في ملايين القرارات في الثانية.
     
  4. القرار 259/25 — شرعية دستورية لمفهوم جديد
    ما يجعل هذا التحوّل راسخاً قانونياً لا مجرد تعديل تقني هو قرار المحكمة الدستورية رقم 259/25 الصادر في 24 ديسمبر 2025. هذا القرار فعل شيئين بالغَي الأهمية:
    أولاً: قرّر أن الفضاء الخوارزمي يخضع للعقاب الجنائي، مُعلِّلاً ذلك بـ’ضمان صدق العمليات الانتخابية’ — وهو توسيع دستوري لمفهوم النزاهة ليشمل ما قبل الصندوق.
    ثانياً: جعل المنصة الإلكترونية واجهةً إجبارية للترشيح والوكالة، مما يعني أن ممارسة الحق السياسي باتت مشروطة بالوجود الرقمي. وهنا يطرح القرار دون أن يُجيب سؤالاً أخلاقياً حارقاً: ماذا عن المواطن الذي لا يملك نفاذاً إلى الإنترنت؟
     
  5. ثلاثة مسارات للإصلاح
    الاستجابة لهذا التحدي لا تكون بالرفض المطلق للتكنولوجيا ولا بتركها تعمل دون ضوابط. المطلوب نظام بيئي متكامل يجمع بين:
    أولاً — تعزيز التربية الإعلامية والرقمية للمواطنين وإدراجها في المناهج الدراسية كمادة أساسية، لبناء ناخب يمتلك أدوات التمييز بين الخبر والتزييف.
    ثانياً — إلزام المنصات الرقمية بالشفافية الكاملة أثناء الحملات الانتخابية من حيث مصادر تمويل الإعلانات السياسية ومعايير الخوارزميات التي تحدد ما يصل إلى كل ناخب.
    ثالثاً — تمكين الأحزاب الصغيرة والمجتمع المدني من أدوات الرصد الرقمي حتى لا تصبح الفجوة التقنية بين الأحزاب امتداداً للفجوة بين المال والسياسة.
     
    خاتمة: معركة المعنى قبل معركة الأصوات
    لم تعد الديمقراطية تواجه فقط خطر تزوير النتائج، بل تواجه خطر إعادة تشكيل شروط إنتاج الإرادة الجماعية نفسها. في السابق، كان الصراع حول من يضع الورقة في الصندوق؛ اليوم أصبح حول من يحدد ما يراه المواطن قبل أن يتوجه إلى الصندوق. وبين هذين المستويين تنتقل الديمقراطية من الدفاع عن نزاهة الاقتراع إلى الدفاع عن استقلالية الحكم السياسي للمواطن.
    لذلك، فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 ليست مجرد استحقاق لتجديد مجلس النواب — بل قد تكون أول اختبار مغربي لمدى قدرة المجتمع على الحفاظ على سيادته التأويلية في عصر الخوارزميات.
    لقد دخل المغرب، من خلال ترسانته القانونية الجديدة وقراراته الدستورية المصاحبة، معركة غير مسبوقة في السياق العربي: معركة حماية النزاهة الانتخابية في العصر الخوارزمي. غير أن نجاح هذه التجربة لن يُقاس فقط بمدى فعالية العقوبات أو دقة النصوص، بل بقدرة المؤسسات والأحزاب والمجتمع المدني على صون حق المواطنين في الوصول إلى فضاء عمومي تعددي وشفاف.
    في القرن الحادي والعشرين، قد لا تكون الديمقراطية مهددة فقط بتزوير الأصوات، بل أيضاً بتوجيه المعاني التي تُنتج تلك الأصوات. ومن هنا تبدأ معركة السيادة التأويلية.
     
    ملحق: تطور موضوع الحماية الانتخابية في المغرب (2011–2026)
    المرحلة الأولى (2011): استهدفت القوانين حماية نزاهة الاقتراع في مواجهة التزوير المادي وشراء الأصوات والعبث بالمحاضر، وكانت أداتها القانونية الرئيسية القانون التنظيمي 27.11.
    المرحلة الثانية (2016–2021): تمحورت الحماية حول تكافؤ المنافسة السياسية في مواجهة اختلالات التمثيل والتمويل والتحالفات، من خلال سلسلة من التعديلات التنظيمية المتعاقبة.
    المرحلة الثالثة (2025–2026): أصبح الهدف صون سلامة البيئة المعلوماتية في مواجهة التزييف العميق والاستهداف السلوكي والتضليل الرقمي، بموجب القوانين التنظيمية 53.25 و54.25 و55.25 وقرار المحكمة الدستورية 259/25.

‫شاهد أيضًا‬

بلاغ : البعثة الأثرية المغربية تكشف عن معطيات علمية غير مسبوقة  بموقع “خنكة اكسات” – جماعة اجديرية – بإقليم السمارة

بلاغ صحفي السمارة في: 15 أبريل 2026 البعثة الأثرية المغربية تكشف عن معطيات علمية غير مسبوق…