في ظل التسارع المذهل للذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة، يطرح الوزير السابق والمفكر محمد الكحص، في تصريح خص به الزملاء في “العمق المغربي” الإلكترونية، رؤية نقدية عميقة لمستقبل الصحافة، تحذر من انزلاق “السلطة الرابعة” لتصبح مجرد أداة تابعة، وتدعو إلى صمود مهني للحفاظ على جوهر الصحافة: الإنسان، القيم، وتنوير الرأي العام، حيث يرى الكحص أن المعركة اليوم ليست تقنية، بل هي معركة وجودية للحفاظ على إنسانية الإنسان في مواجهة آلة لا تملك قيماً أو مبادئ.

ويرى محمد لكحص أن التحدي الأساسي الذي تواجهه الإنسانية اليوم يتمثل في كيفية الحفاظ على القيم والمبادئ التي صنعت الحضارة الإنسانية، دون السقوط في تبعية عمياء للتكنولوجيا والآليات الحديثة، خاصة في قطاع الصحافة، مؤكدا أن الصحافة مطالبة بالاستفادة من التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، لكن دون التخلي عن روحها وهويتها وأخلاقياتها المهنية، موضحا أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول التكنولوجيا من مجرد أداة مساعدة إلى قوة تفرض القيم والسلوكات والمضامين. ويقول في هذا السياق إن الصحافة “يجب أن تأخذ كل ما هو موجود من تقنيات لخدمة مشروع الصحافة، وليس العكس”، محذرا من أن تتحول المهنة إلى مجرد امتداد للمنصات الرقمية والشركات التكنولوجية العملاقة.

النص الكامل للتصريح:

أنا أظن أن الفكرة التي تشير إليها هي جوهر، أكاد أقول، الحضارة الإنسانية حاليا: كيف يمكننا أن نحافظ على القيم والمبادئ، وعلى ما جعل الإنسانية إنسانية، دون أن ننسلخ عنها، أو أن نجعل من قضية الأداة قضية جوهرية، أو أن تصبح الأداة هي التي تملي علينا قيما جديدة وسلوكات جديدة ومواقف جديدة، وطريقة جديدة في تمثل إنسانيتنا وممارستها. والحديث هنا عن الآليات الجديدة، وعن التكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي وغيره، في ميدان الصحافة.

أنا أظن أن الصحافة ستحافظ، ويجب أن تحافظ، على مبادئ المؤسسة، وعلى روحها، وعلى تاريخها، وعلى أعرافها، وعلى مهنيتها، وعلى أخلاقيتها، مع إدماج ما هي في حاجة إليه لكي تتطور وتتأقلم مع الواقع الحالي. لكن لا يجب أن تتحول إلى مجرد تابع للآلات والاختراعات التي يخترعها أناس آخرون، ليس همهم الصحافة ولا مبادئ الصحافة ولا دور الصحافة، بل غالبا ما يكونون أعداء لفكرة الرأي الحر والتعددية والإخبار وتنوير الرأي العام، لأن هذه مراكز قوة مالية، رأسمالية تكنولوجية تشتغل بهذا المنطق.

لذلك، فالصحافة يجب أن تأخذ كل ما هو موجود من تقنيات لخدمة مشروع الصحافة، وهوية الصحافة، وأدوار الصحافة، وليس العكس. بمعنى أن الآلة ليست هي التي تملي المضمون. ولذلك ترون مثلا أن حكاية “صناعة المحتوى” كانت من بين أولى المداخل التي بدأوا بها؛ أي أن الصحفي أو الصحافة ليسا سوى وعاء، وما ينتجانه ليس قناعات وأفكارا وقيما ونظرة للمجتمع ورغبة في تنوير الناس. وكما قال ألبير كامو: “في نهاية المطاف، دور الصحافة هو أن ترفع الشعب إلى الأعلى بالكلمات”. أما الآن فهناك نزوع نحو الانحدار العام، حتى لا أقول الانهيار العام، نحو الأسفل، ونحو حافات مقلقة إن لم تكن مرعبة.

لهذا، فصمود الصحافة يكون في حفاظها على هويتها ودورها في المجتمع، وفي العملية الديمقراطية، وفي الحفاظ على القيم الإنسانية، دون أن تمنع نفسها من الاستفادة من التقنيات الجديدة.

أعيد وأكرر، حتى وإن بدا الأمر مملا من باب التوكيد: نعم للتقنيات الجديدة في كل المجالات؛ في الطب، والهندسة، وبناء الطرق والقناطر، والأرصاد الجوية، إلى غير ذلك، وفي الصحافة أيضا. لكن ينبغي مقاومة أن تتحول الصحافة إلى مجرد “صناعة محتوى”، بمعنى أن أي محتوى يوضع داخل التقنية يصبح ذا قيمة إيجابية، وهذا غير صحيح.

في الصحافة نحن محتاجون إلى الإنسان. الصحافة محتاجة إلى الصحفيين، والصحفيون هم الذين يطوعون ويستعملون الآليات، سواء كانت التكنولوجيا أو غيرها، كما فعلوا سابقا مع وسائل أخرى. لكن تبقى نظرة الإنسان الصحفي، ومهنيته، ويقظته، وإدراكه للأدوار المنوطة به، هي الأساس.

أنا أظن أن الصحافة من بين المجالات المهددة حقيقة في العصر الحالي، نظرا للتطورات التي تحدث، والتي للأسف ليست كلها إيجابية، ولذلك وجب الانتباه والتنبيه إليها ومحاولة مقاومتها. فالصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي “فوكاسيون”، أي رغبة داخلية نابعة من التربية والقراءات وبعض أحلام الشباب والطفولة. وكثير منا حلم بأن يكون صحفيا، لأن صورة الصحفي كانت تمثل الخير والعدل والتنوير وروح المغامرة، وتمثل “السلطة الرابعة”، أي مقاومة الظلم وفضح ما يراد له أن يبقى طي الكتمان، رغم ارتباطه بالمصلحة العامة.

كل هذه الأشياء جعلت كثيرين، ولا تزال ولحسن الحظ، يطمحون إلى هذه المهنة، وإن كان ذلك بدرجة أقل حاليا. وهي مهنة لها قواعد وتُدرَّس في مدارس الصحافة، لكن المدارس الحقيقية للصحافة هي هيئات التحرير. ثم إن الصحافة مؤثرة جدا بحكم دورها الحساس في التأثير على الرأي العام، في الثقافة والسياسة والظواهر الاجتماعية والسلوكات وغيرها. ونظرا لهذه الحساسية، بدأ الصحفيون أنفسهم، بشكل تدريجي، يضعون ضوابط أخلاقية حتى لا تنحرف هذه السلطة، وحتى لا تتحول إلى سب وقذف وتشهير.

هذه الأمراض كانت دائما مرتبطة بالصحافة، لكن الفرق أن الصحافة كانت قادرة، لأنها تحترم نفسها ونبل مهمتها، على مقاومة هذه الانحرافات من داخلها، لأن ما كان يُنشر يمر عبر هيئات التحرير والصحفيين ومدراء التحرير. وبالتالي فالمقاومة تبدأ بالتكوين، لأن الصحافة مثل المدرسة، عمودها الفقري هو نقل المعارف والأعراف والأخلاق وكل ما يمنح هذه المهنة نبلها، وهذا يحدث بين الصحفيين أنفسهم. كما أن مقاومة الانحرافات كانت تتم أيضا من خلال تكتل مهني مبدئي وتلقائي بين الصحفيين كلما تعرضت مهنتهم للمساس أو الانزلاق.

لكن اليوم، مع ظهور وسائط الاتصال الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت النزعات التي تسيء إلى نبل الصحافة أكثر انتشارا وتأثيرا، وربما تقلصت إمكانية مقاومة المهنيين لها، لأنها أصبحت خارج كل القوانين التقليدية. بل إن بعض هذه الظواهر أفلتت حتى من أيدي صانعيها ومن سلطة الدول نفسها. واليوم نقرأ باستغراب كيف أن الدولة الوطنية، ذات السيادة، أصبحت عاجزة أمام هذه الظواهر، لأن شخصا ما قد يكتب من مكان آخر، خارج كل الضوابط.

هذه الظواهر ليست اعتباطية، بل توجد وراءها إيديولوجيا وأرباح وإرادة لتفكيك المؤسسات التقليدية التي كانت تحد من تغول الرأسمالية والمال. ويجب أن نكون واعين بأن الدولة الوطنية تعتبر، بالنسبة إلى هذه الإيديولوجيا، آخر متراس بيد الشعوب للمقاومة، ولذلك يجري العمل على تفتيتها بكل الأساليب، أحيانا بخطابات معسولة، لكن الهدف هو ضرب الدولة الوطنية أو جعلها مجرد شكل فارغ.

ومن بين المؤسسات التي يجري استهدافها بالتفكيك: الصحافة، والمدرسة العمومية الوطنية، والمثقف، وكل من يمتلك دورا رمزيا وقدرة على تفكيك الظواهر وإيصال صوته إلى الناس. ثم تأتي الدعوة إلى تمييع كل شيء، بحيث نصبح جميعا صحفيين، وجميعا مثقفين، وجميعا سياسيين.

إن ما ناضلت من أجله الإنسانية هو أن يقوم كل شخص بدوره، وفق قواعد عمله، وبما يملكه من معرفة وتجربة في مجاله، وأن تتقاطع هذه الأدوار جميعها. وهذا ما جعلنا، إلى حد الآن، نستطيع القول إننا ما زلنا نعيش داخل حضارة إنسانية.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي /الرابط :

‫شاهد أيضًا‬

لماذا يجتهد الوزراء في تتفيه المدرسة العمومية؟ * عبد الحميد جماهري

قال وزير التربية الوطنية سعد برادة: للي بغا يقري ولادو يرسلهم لمدرسة بعيدة..أنا الوالد ديا…