لبناء أي فكر سياسي؛ هناك شرطان: الأول، أن يكون وثيق الصلة بواقعه، فلا يسقط عليه فكر الغير أو تجربته، سواء أكان هذا الغير أسلافاً أصبح فكرهم وتجربتهم التاريخية في ذمة التاريخ، أم أجنبياً مقتدى به لمجرد الاعتقاد في تفوقه.

والشرط الثاني هو أن تكون لبناء أي فكر جديد مرجعية؛ لكنها لا تنتسخ مجرد الاستنساخ، بل تُعاد تهيئتها واستثمارها لبناء فكر سياسي جديد.

فهل يمكن لمثقفينا اليوم أن يجدوا في تراثهم الفكري مرجعاً يمكن الارتكاز عليه؛ خصوصاً تراث فلاسفتهم السياسي؟

لماذا تراث الفلاسفة بالذات؟ لأن الفلسفة كان لها دور أساس في بناء الفكر السياسي الحديث؛ فقد كان أغلب مؤسسيه فلاسفة، أمثال جون لوك وهوبز وروسو ومونتيسكيو، وكان لهذا التأسيس مرجعيته في تراث الفلاسفة اليونان.

والسؤال: هل لمفكرينا في هذا العصر أن يرتكزوا على الفكر السياسي لقدماء فلاسفتهم لبناء فكر سياسي عربي حديث؟ لا نعتقد ذلك. فالتراث السياسي لفلاسفتنا القدماء لا علاقة له بحقيقة السياسة. هذا على الرغم من استعمالهم مصطلحات سياسية في كتاباتهم؛ مثل “السياسة المدنية”، و”العلم المدني”، و”الرئيس” و”الملك”… لكنها ليست مصطلحات سياسية؛ لأن حالاتها ميتافيزيقية.

لنأخذ مثلاً مدينة الفارابي الفاضلة؛ فهذه المدينة ليست مجتمعاً سياسياً ولا نظاماً سياسياً. نموذجها نظام ميتافيزيقي للكون؛ مرجعيته الفلسفة الأفلاطونية المحْدَثة. وعلى رأس هذه المدينة ملك أو رئيس، هو بمثابة نبي يُوحى إليه. فهو “الملك على الحقيقة عند القدماء، وهو الذي ينبغي أن يوحى إليه”. بل إن ابن سينا أكثر غلواً في تقديس ملك مدينته الفاضلة الذي كما يقول الفارابي: “كاد أن تَحِلَّ عبادته بعد الله تعالى”.

مثل هذا الفكر “السياسي” ليس فقط أن لا علاقة له بعلم السياسة ولا بواقعها؛ بل هو أيضاً يشرِّع لأعلى درجة للاستبداد، وهي تأليه الحاكم أو جعل سياسته وحياً يُوحى بها إليه، وليست شأناً عامّاً للناس.

من قديم تنبَّه ابن خلدون إلى أن “سياسة” الفلاسفة لا علاقة لها بعلم السياسة ولا بواقعها، رغم استعمالهم مصطلحات سياسية كمصطلح السياسة المدنية، يقول: “وما تسمعه عن السياسة المدنية (…) إنما معناه عند الحكماء [الفلاسفة] ما يجب أن يكون عليه كل واحد من أهل ذلك المجتمع في نفسه وخُلُقه؛ حتى يستغنوا عن الحكام رأساً، ويسمون المجتمع الذي يحصل فيه ما يُسمى من ذلك المدينة الفاضلة (…) وليس مرادهم السياسة التي يُحمل عليها أهل الاجتماع بالمصالح العامة (…) وهذه المدينة عندهم نادرة أو بعيدة الوقوع، وإنما يتكلمون عليه من جهة الفرض والتقدير”.

لقد وصلت إلى فلاسفتنا القدماء أصداء عن النظم اليونانية؛ كالديمقراطية التي سموها المدينة الجماعية والأليجارشية التي أطلقوا عليها مدينة التغلب والأرستقراطية التي نعتوها بمدينة الكرامة. لكنهم لم يفهموا حقيقتها ولا النظم السياسية التي تحيل إليها. فهي ليست عندهم أكثر من نظم متخيَّلة غابت عنهم حقيقتها التاريخية. والسبب أن الكتب التي كان من شأنها أن تُعرِّفهم بحقيقتها لم تترجم إلى العربية؛ خصوصاً كتب التاريخ وكتب الأدب كالمسرح، وخصوصاً مسرح سوفوكليس وأوربيدس.

ومثال آخر يتعلق بعدم فهْم فلاسفتنا لمعنى الخطابة السياسية اليونانية ودورها؛ خصوصاً في النظام الديمقراطي، رغم أن كتاب الخطابة لأرسطو قد تُرجم إلى العربية، لم يفهومها لأنها تحيل إلى النظام السياسي اليوناني الذي لم يكونوا على بيِّنة منه. فقد انتقد ابن خلدون ابن رشد؛ لقَول هذا الأخير إن هدف الخطابة استمالة الجمهور. في حين أن الجمهور أو عامة الناس ليسوا فاعلين في السياسة التي هي عند ابن خلدون شأن أهل الحل والعقد والذين هم في الدولة التي نظَّر لها ابن خلدون؛ أي الدولة ذات البنية القبلية، هم شيوخ القبائل وقادة الجيش والعلماء وأعيان الناس.

إن بعض فلاسفتنا خاضوا عملياً في السياسة، في أساليبها وشبكاتها ومؤمراتها، وتعرضوا من أجل ذلك إلى السجن والاضطهاد، كما وقع لابن سينا وابن باجة وابن رشد. لكنهم خاضوا فيها كما خاض فيها غيرهم، وليس انطلاقاً من فكر سياسي كوَّنوه فاقتنعوا به ودافعوا عنه.

لذلك كانت العزلة مصير هؤلاء الفلاسفة أو اختيارهم؛ فالفلاسفة عند ابن باجة أفراد متوحدون، لأن السعادة إنما هي “سعادة المفرد، وصواب التدبير إنما يكون تدبير المفرد (…) وهؤلاء [أي الفلاسفة] هم الغرباء [ولو] كانوا في أوطانهم وبين أترابهم وجيرانهم [فهم] غرباء في آرائهم”. وأهم كتاب عند ابن باجة عنوانه كما هو معلوم “تدبير المتوحد”، أي الفيلسوف.

وابن سينا ينصح الفلاسفة أن لا يجهروا بآرائهم الفلسفية ويظهروها للناس؛ بل أن يحجبوها سوى عن خاصتهم من تلامذتهم ومريديهم، وأن يكونوا مثل “خفافيش الليل” لا تبرز نهاراً.

والفارابي يتحدث عن “المُخاطِر [الذي] يخاطر بنفسه متى علم أن الذي يلتمسه يفوته ولا يناله إذا لم يُخاطر”. أليس يعني هذا أن الفيلسوف ينبغي أن يكون “ملتزماً” كما يُقال اليوم، لأن الدفاع عن آرائه أملاً في تحقيقها يستحق المخاطرة؟ لكن الفارابي ما خاطر قط؛ بل ما نعرفه عن حياته أنه آثر العزلة.

لن يجد مثقفونا اليوم كبير جدوى في فكر أسلافهم الفلاسفة لتأسيس فكر سياسي عربي حديث. أما الفلاسفة الأوروبيون فقد وجدوا مرجعاً في فكر أسلافهم اليونان وأيضاً مفاهيم ومبادئ؛ كالحكم بالدستور المكتوب والحرية المدنية والسياسية والأغلبية والأقلية والتداول بينهما والديمقراطية وإمكان انقلابها إلى نظام استبدادي حين تسقط في الشعبوية.

الإشكال الثاني يتعلق بالدولة، وهي محور الفكر السياسي الحديث.

إن الدولة قديمة في منطقتنا العربية التي وجدت بها أقدم الدول. لكن الدولة التي نعنيها هنا هي الدولة بمعناها الحديث؛ أي الدولة الوطنية أو الدولة الأمة، تلك التي لها حدود تحدّ ترابها الوطني، وقانون أساسي، أي الدستور والقوانين المتفرعة عنه التي مجال إعمالها التراب الوطني، وذاكرة وطنية جماعية، ورموز للسيادة.

هذه الدولة الوطنية حديثة نسبياً في التاريخ؛ إذ نشأت في بعض بلدان غرب أوروبا، ثم انتشر نموذجها في العالم. إلا أن دخولها أو إدخالها إلى بلداننا العربية كان إشكالياً منذ البداية.

فهذه الدولة “الوطنية” دخلت بلداننا في ركاب المدّ الاستعماري. وكانت بداياتها ما سمي بالتنظيمات أو الإصلاحات التي طُبِّقت في نظام الإدارة والمالية والتعليم وإصلاح الجيش. وهي إصلاحات إما اتخذت لمواجهة الضغط الخارجي وإما فُرضت من الخارج.

للدولة الوطنية إذن خطيئة أصلية، وهي تبعيتها للخارج؛ سواء في إدخال تنظيماتها في ركاب المدّ الاستعماري أو في ربط دول ما بعد الحقبة الاستعمارية بالخارج. وأيضاً فإن المفاهيم الأساسية للدولة الوطنية إنما نشأت وتطورت في بيئات خارجية، ثم حصل استجلابها، فترتبت عليه إشكالات؛ منها أن الأيديولوجيات العربية الكبرى تطعن في شرعية الدولة الوطنية. فالقوميون العروبيون يعتبرونها فاقدة الشرعية؛ لأنها قائمة على تجزئة، والأمة -أمة الإسلام- هي عند الإسلاميين أوسع من الدولة، ويجعلون الشريعة القانون الأوحد الشامل للأمة، أو يجعلون نصوص الدستور محكومة بأحكام الشريعة. والأيديولوجيا الماركسية تطعن في الدولة الوطنية من الأساس بدعوى أنها دولة الهيمنة الطبقية.

إن للدولة الوطنية الديمقراطية مبدأين أساسيَّين: أولاً، المواطنة كهوية جامعة هي فوق الهويات الخاصة. وثانياً، التعددية السياسية. ونظام الدولة في بلداننا لا يزال بعيداً عن استيعاب هذين المبدأين.

فالمواطنة في الدولة الوطنية الديمقراطية هي الهوية الجامعة، وذلك باستبعاد الهويات الخاصة أو الفئوية من المجال العام؛ مجال الدولة ومؤسساتها. والدين نفسه أُحيلَ إلى المجال الخاص في الدولة المدنية الديمقراطية. وقد كان ذلك ممكناً بسبب دخول المسألة الدينية خضم الصراع الاجتماعي، وأيضاً صراع الدول الوطنية الناشئة مع الكنيسة، وهو ما انتهى إلى “تحييد” الدين وإحالته إلى المجال الفردي أو الفئوي الخاص وفصله عن المجال العام، مجال الدولة بنظامها وقوانينها ومؤسساتها.

والإشكال الثاني في موضوع نظام الدولة، هو قضية التعددية.

معلوم أن الدولة الوطنية الديمقراطية هي دولة التعددية ما دام النظام الديمقراطي هو نظام تدبير التعددية. إلا أن في بلداننا موقفاً سلبياً من التعددية، موروثاً من حقبة النضال من أجل الاستقلال. لأن هذا النضال اقتضى توحيد الصف. فما دام الهدف واحداً؛ فلا، لا مبرر للخلاف حوله؛ وهو التحرر والاستقلال. وقد ورثت معظم دول الاستقلال هذا الرفض للتعددية؛ لأن دولة الاستقلال هي غالباً دولة الحزب الذي قاد النضال الوطني، فاستمر يرفض التعددية الحزبية بدعوى أن بناء دولة الاستقلال يقتضي توحيد الصف مثلما توحَّد أثناء حقبة النضال الوطني.

ومع ذلك، فمجتمعاتنا عريقة في التعددية؛ لكنها تعددية تقليدية موروثة، لغوية أو عشائرية أو طائفية أو إثنية. وهي ليست التعددية بمعناها الديمقراطي الحديث؛ أي تعددية الأحزاب والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني. فهذه كلها يؤسسها أو ينخرط فيها أفراد مواطنون، بغض النظر عن هوياتهم الخاصة الدينية أو الطائفية أو القبلية. والأغلبية والأقلية فيها متغيرتان متداولتان، في حين أن الأغلبية والأقلية في التعددية التقليدية متوارثتان ثابتتان. والتعددية التقليدية هي هويات جماعية تحدِّد الهوية الاجتماعية والسياسية للفرد منذ ميلاده. والرهان هو الانتقال من هذه التعددية التقليدية الجامدة إلى التعددية الديمقراطية المتغيِّرة والمتداولة والتي أساسها أفراد مواطنون وليس هويات جماعية منغلقة.

استخلاص

كل ما قُلناه عن الفكر السياسي لقدماء فلاسفتنا إنما نقصد به بعض مثقفينا المعاصرين الذين حمَّلوا فكرَ فلاسفتنا ما لا يُحتمل. ونقصد بالذات مثقفينا الذين أرادوا قراءة التراث قراءة “تقدُّمية” أو “حداثية” أو “ثورية”. وقد وجدوا ضالتهم عند نوعَين من قدمائنا: المعتزلة والفلاسفة؛ بدعوى أنهم مَن يمثلون في تراثنا الحداثة والتقدُّمية والعقلانية الثورية. وقد قسموا التراث إلى تيار النقل وتيار العقل، فاعتبروا تيار النقل يعبِّر عن الطبقة الإقطاعية، وتيار العقل هو لسان حال قوى “التقدم والاندفاع” كما يقول أحد مثقفينا المعاصرين، والذي كتب في دراسة له عن الفارابي أن هذا الأخير “حاول التعبير بطريقة واعية (!) عن مجموع القوى الاجتماعية النامية، قوى التقدم في عصره” (كذا!) إن كل هذا يحتاج إلى توثيق تاريخي يبيِّن ما هي هذه الطبقات الأرستقراطية والإقطاعية وطبقة التجار البورجوازية، وكيف أن هذا الفقيه أو المتكلم أو الفيلسوف كان لسان حال هذه الطبقة أو تلك.

لقد سادت في ماضينا القريب قراءات متمركسة أسقطت على التراث تأويلات متعسفة، ضداً على منهجية تاريخ الأفكار. فالأفكار الكبرى أو المفاهيم لها شهادة ميلاد وحقل تداول. كما أن لأنظمتها المعرفية قطائع، وإلا كانت الأفكار تسبح في السماء لتتنزَّل على المفكر أو ذاك أينما وجد ومتى وجد. وإلا جاز لأيٍّ كان أن يقول وهو مطمئن: “ما فرطنا في التراث من شيء”. وليس السلفيون هم وحدهم مَن يقولون ذلك، وإنما أيضاً مفكرونا الذين قرؤوا التراث قراءةً أرادوها تقدُّمية وحداثية كما أسلفنا.

‫شاهد أيضًا‬

اِهْمِسْ * نورالدين حنيف أبو شامة

 · اِهْمِسْ *** اِهْمِسْ لِذِي جهْلٍ همْسَ منْ عَقلا قدْ يَرْعَوِي منْ عَوْدٍ لِما جَهِلا …