لن نجانب الصواب لو ادَّعينا أنه لم يسبق لكلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، طوال عهد الملك محمد السادس، أن أثارت من الاهتمام ما أثارته كلمته في تقديم مجريات الاحتفال الديني لهذه السنة، حيث كانت دقيقة واحدة وأربعون ثانية كافية لتكثيف معنى البيعة الترابية بثوابتها السياسية والعاطفية، وإطلاق سيل من التعاليق من على ضفتي البحر الأبيض المتوسط تحديدا…
جاءت كلمة أحمد التوفيق -المؤرخِ في أساس تكوينه، والذي أثرى تاريخ التصوف والتراث في المغرب الوسيط بالعديد من الدراسات والتحقيقات- مركزة في قضية سبتة المتوسطية والثغور الأطلسية، ولكنها كانت كافية أيضا لكي تنال من المتابعة والانشغال والتعليق، هنا وفي الجارة إسبانيا، ما لم تنله سابقاتها. ولعل السياق، كما يقول أهل المنطق، هو الذي يخلق المعنى لكلام وزير الأوقاف وحارس الأختام الدينية.
أعاد وزير الأوقاف، في كلمته أمام أمير المؤمنين بمناسبة المولد النبوي، التذكير بسياق الاحتفال، وركز على مواصلة الجهود لتخليد مرور خمسة عشر قرنا على ذكرى ميلاد نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام.
وهو بذلك كان يقدم “أسباب النزول” لما سيأتي لاحقا، والمتمثل في اشتغال التراث المغربي على الاحتفاء بذكرى المولد النبوي من خلال ثلاثة كتب، محورية في السيرة والثناء على الرسول الكريم، وهي: “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، و”الدر المنظم في مولد النبي المعظم”، ثم أخيراً “دلائل الخيرات”، وما جعل الحديث عن هذه الكتب له مغزاه، هو كون المتلقين في المغرب وفي جواره الشمالي رأوا فيها تكثيفا لاثني عشر قرنا من تاريخ المغرب القائم على البيعة بثابتين: سياسيٍ يتجلى في الدفاع عن الأرض، وعاطفيٍ يتجلى في تبريز حضور البعد الديني في ارتباط المغرب بسبتة وباقي الثغور.
وهذا الارتباط —كما قلنا— جسّده في حالة سبتة كتاب القاضي عياض، وهو من كبار المحدثين والفقهاء والعلماء الأشاعرة في سبتة، أخذ العلم من الأندلس، وكان بنفسه رابطا إنسانيا، حيث لُقِّب بـ”قاضي سبتة ومراكش”، ومما زاد من كثافة المعنى هو أن الذين يعرفون القاضي عياض يعرفون عنه كذلك أنه كان مرجعا في فتوى الجهاد ضد الصليبيين، وأحد أصحاب الهمم في صدهم عن الأندلس، وقد نرى في ذلك ردا مستبطنا على دعوات دينية صليبية صدرت من الجانب الشمالي للمتوسط. أما كتابه “الشفا بتعريف حقوق المصطفى” فقد قيل عنه: “لولا الشفا لما عُرف المصطفى”، لما كانت له من مكانة في تعريف دقيق ومفصل وغير مسبوق بنبي الإسلام —نبي المغاربة في حالتنا هاته—. وتجسد تقاطع السيرة والذكرى النبويتين بالوضع الراهن من خلال كتاب أبي العباس العزفي، وهو العالم الزاهد الذي درَّس بجامع سبتة الكثيرَ من العلماء، “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”، والذي مات قبل اتمامه واستكمله ابنه أبو القاسم.
ولعل ميزة هذا العالم الزاهد، بالإضافة إلى ازدياده في سبتة أنه وضع الكتاب لترغيب المسلمين في الاحتفال بذكرى النبي، عندما رأى افتتان المسلمين في شمال المغرب وفي الأندلس خصوصا بأعياد الميلاد المسيحي، فكان هو واضع ومِعْمدان الاحتفال المغربي بالذكري العطرة للنبي، وقيل عن الكتاب أنه “يعد من المؤلفات التي أبدع فيها المغاربة، وحازوا به شرف السبق على إخوانهم المشارقة في موضوع لم يُسبق إليه، وهو المولد النبوي”…
وكلا العالمين السبتيين عمّت تعاليمهما كل المغرب وتجاوزته حتى…
أما ثالث الكتب فهو كتاب “دلائل الخيرات” وعنوانه الكامل هو “دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار”، وهو يُتلى على شكل سبعة أحزاب وله شعبية كبيرة من المغرب حتى أندونيسيا اليوم، لصاحبه العالم الصوفي سليمان الجزولي، أحد الأولياء السبعة في مراكش، وقد ارتبط اسم أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبو بكر الجزولي الملالي الحسني بالدور الذي ساهم به كتابه في تحريض الهمم على الدفاع عن الثغور الأطلسية ومواجهة الإيبيريين (البرتغال أساسا وإسبانيا بالتبعية)، وقد اختار لنفسه آسفي مركزا للتحريض ومنها نظم المقاومة ضد البرتغاليين، في وقت كانت فيه الدولة المركزية في حالة شلل وفئوية، وظل على جهاده إلى أن قامت دولة السعديين…
ولعل من أفضل الطرق التي نتحدث بها إلى المسلمين في العالم —بعد ما لاحظناه من ضحالة في التعامل مع قضية سبتة من طرف إخواننا المسلمين في المشرق والمغرب وقادتهم الدينيين— هو إبراز مكانة “دلائل الخيرات” عند المسلمين قاطبة، حتى إن له زوايا ومريدين يواظبون على قراءته وترديده وتلاوته طوال العام.
فالرابط أولا بين العلماء هو سيرة النبي والاحتفاء به من داخل الثغرين المتوسطيين، وفي الثغور الأطلسية، والرابط ثانيا هو التركيز على البناء الديني في هذا الرباط، من حيث علاقته وارتباطه بالبيعة، كما قال الوزير، من خلال مظهرين: سياسي وعاطفي تجسد في الكتب.
ولا بد هنا من التنبيه إلى الربط بوحدة القضية الجهادية في الدفاع عن ثغور المتوسط وثغور الأطلسي، بما يجعل من تحرير الثغور ثابتا لدى المغاربة ودولتهم على مر العصور.
إن السياق يخلق المعنى، ولا شك في أن هذه الإشارات تعني أن الأراضي المذكورة جزء لا يتجزأ من هوية المغرب الدينية (سياسيا وعاطفيا)، قبل كل التطورات الحديثة حول ثغر سبتة، كما كان الأمر مع غيره.
الليبرالية العمياء و شبه العرجاء * عبدالحميد جماهري
تبدو الليبرالية المغربية، في علم السياسة كما تبدو «الرهبانية» في علوم الدين الاسلام، من خل…
