في الـ4 من أبريل 1976، وقف عبد الرحيم بوعبيد أمام أعضاء اللجنة الإدارية للاتحاد، المجتمعين ذلك الأحد الربيعي، في بني ملال، ليلقي عليهم وعلى عموم الرأي العام، دعوته الاستشرافية، من ذلك النوع الذي ظل يجيده طوال حياته، رحمه لله، بالتفكير اللامركزي في شأن الصحراء..
لم يكن قد مضى وقتها سوى أقل من نصف سنة على المسيرة الخضراء المظفرة (نونبر 1975)، وكان الوضع يتأزم على إيقاع إعلان الجزائر لدولة الوهم فوق ترابها، واستباق» تقرير المصير«الذي كانت تدعو إليه، بميلاد الدولة المنفصلة، أي أنها أعلنت الدولة ثم بدأت تدعو إلى «تقرير المصير» الذي سيفضي إليها!!
وكان الوضع الوطني، المتسم بالإجماع والشعور الوطني المتقد، يغذيه النصر في مسيرة العبور في لحظة فارقة.
مع مطلع السنة 2026، يكون بلدنا قد وصل، في قضية الصحراء المغربية والوطن الموحد، إلى لحظة بوعبيدية بامتياز.بعد القرار الأممي 2797 باعتماد الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الأكثر قابلية للتطبيق..
ونقصد بذلك الدخول في التفعيل العملي لما طالب به عبد الرحيم في اجتماع اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في بني ملال في أبريل 1976… هو الذي كان متعصبا للسيادة المغربية كان منفتحا لحكم ذاتي خاص بإقليمنا الصحراوي، وقتها صرح قائلا: :»..الحقيقة نحن في الصحراء ويجب أن نبقى في الصحراء، ومن واجبنا التغلب على كل العراقيل التي يمكن أن تثار داخل المنطقة.
يجب أن نعطي لإخواننا الصحراويبن صورة عن المغرب غير الصورة التي يعرفونها اليوم، الصورة التي ستجعلهم يطمئنون على مستقبلهم .
“.. ليس من السهل التغلب على الرواسب التي خلفتها 80 سنة من الفراق.. لكن لا مناص من هذا الطريق.. ففي هذا الإطار، نرى أنه يجب التفكير من الآن في نوع من اللامركزية الواسعة التي يجب إقامتها في الصحراء تمكن السكان الصحراويين من الاقتناع بأنهم يمارسون، بكل اطمئنان، صنع مستقبلهم كجزء لا يتجزأ من الشعب المغربي.
إن إقامة نظام لامركزي وديمقراطي في الصحراء شيء أساسي وضروري لأن الوضع الجغرافي والاقتصادي والبشري يفرض ذلك……«.
لم يكن هذا الأفق الجديد عند بوعبيد نتيجة ضربة حظ سياسي أو مجرد مهارة للصدفة لدى رجل عركته المحن وكان في المقاعد الأولى للتفاوض حول الاستقلال والنضال من أجله، بل كان بوعبيد يقدم نظرة متكاملة، وبرنامج عمل كقائد تقدمي وطني ملكي من طراز رفيع ..
ولعل الأغلبية تكاد تختزل مواقفه الترابية إذا شئنا، في مغرب ما بعد الاستقلال في قوله »لا « للاستفتاء الذي قبل به المرحوم الحسن الثاني. في حين لا يمكن أن نختزل سيرة الرجل ومواقفه في هذا الباب:
أولا: كان عبد الرحيم من الدعاة الأوائل، استراتيجيا، إلى استعمال الكفاح المسلح من أجل الدفاع عن تحرير الصحراء.
ـ كانت الفرصة، الأولى في البيان المشترك الصادر بعد ندوته المشتركة مع الزعيم علال الفاسي رحمه لله في الرباط، قبل إعلان المسيرة.
وقتها دعا القائدان باسم الحزبين (الاتحاد والاستقلال) إلى /إنشاء المجلس الأعلى للتحرير، يضم القوى الوطنية والقوات المسلحة والمقاومة وجيش التحرير ..)
ـ حانت الفرصة في يناير 1975، أي قبل الإعلان عن المسيرة بقرابة 8 أشهر، لتكوين جيش التحرير ، وأعلن عبد الرحيم استعداد الاتحاد للعمل على إعادة إنشائه. من أجل الدخول في حرب تحرير شعبية، ولعله رأى في ذلك القدرة على الحسم السريع لقضية معروضة على جدول الأعمال الدولية. والتراجع العملي عن لجوء المغرب السلمي في 1964 إلى لجنة تصفية الاستعمار، والذي اعتبره خطأ ..وكذلك من أجل حل ذلك التناقض الذي نشأ بين الدولة وجيش التحرير وقادته في معالجة تحرير الصحراء، وفي الأسلوب المعتمد في ذلك، حيث وقعت معركة “إيكوفيون”، ضد المقاومين ومنظمتهم التي حررت الصحراء عمليا. في حين كانت مقاربة المغرب السياسي تنحو نحو المسار الديبلوماسي، كما سيتضح ذلك في 1964..
ثالثا: لم يكن بوعبيد متحمسا كثيرا للمسيرة الخضراء كأسلوب سلمي، وهو الخطأ الوحيد له في المعركة. لأنه كان يعتقد بأن السلاح أصدق أنباء من المسيرات، في حين كان الشهيد عمر، رحمه لله، والذي سيغتال بعد ذلك بثلاثة أشهر فقط! متحمسا لها واعتبرها «لحظة انفجار الطاقات التحررية للشعب المغربي».
ـ رابعا، كان يستشعر بأن الجزائر ستعمل من أجل زرع البوليساريو كحركة مسلحة تقوم بالعمليات، مدعومة بجيشها الوطني.. وذهب بوعبيد في افتتاح المؤتمر الاستثنائي(يناير 1975) إلى اعتبار عودة الجيش المغربي، من معركة الجولان في حرب أكتوبر الشهيرة. مناسبة ليلتحق أفراده بالمجاهدين في الصحراء، وهم المسلحون الصحراويون ومن كافة مناطق المغرب الذين بدأوا في الاستعداد للعمل المسلح..
ومن هنا يبدو أن بوعبيد رفض اللجوء إلى اللجنة الرابعة سنة 1964، وهو ما صار مطلبا مغربيا ملحا اليوم، لأنه اعتقد ذلك خطأ، المغرب غير معني، بل هو دولة قائمة الذات، وكان تحت الحماية، والدولة فيه قائمة وهي التي تقود عملية التحرير .. أما الذين يلجؤون إلى اللجنة الرابعة فهم الشعوب التي لا تملك وقتها دولة ولا حدودا بعد!
وهو بوعبيد الذي دعا إلى تكوين المجلس الأعلى للتحرير. هو نفسه رفض الاستفتاء لأنه، استراتيجيا، كان خطأ:لا بد من التذكير بأن هاته القضية تستوجب التضحيات التالية:
ـ كان الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية، لا يذكر لا من قريب ولا من بعيد مسألة الاستفتاء، وبالتالي يعد القبول به نفيا لما اعتبره المغرب حكما يحفظ روابطه القانونية مع الصحراء.
ـ الاستفتاء كان يعني إعادة تأويل القرار الذي استند إليه المغرب في إطلاق المسيرة نفسها، ذلك أن الحسن الثاني، رحمه لله، اعتبر حكم المحكمة الصادر في أكتوبر 1975 تثبيتا لحق المغرب، وعليه اعتبر أن ترجمة هذا الحق ستمر عبر المسيرة الخضراء..
ـ أهم شيء، هو أن الاستفتاء كان في تقدير عبد الرحيم عودة إلى ما كان يخطط له الجنرال فرانكو، والتماهي مع فكرة «شعب صحراوي تلزمه دولة«. لهذا اعتبر الموقف من الاستفتاء ورفضه، موقفا متعدد الرسائل.. لأن موقف القبول بالاستفتاء تراجعي، ما قبل حكم المحكمة في لاهاي واستئناف لفكرة فرانكو التقسيمية..
ولعل المرحوم الحسن الثاني، عندما ننظر عن بعد، نجح تكتيكيا في اعتماد استفتاء في 1981 للخروج من معادلة مرحلية وضغوط عسكرية وأخرى سياسية دولية ضيقت هامش المناورة، لكن عبد الرحيم ربح استراتيجيا.، لما اختار الموقف المبدئي، مادام العالم كله يعتبر الآن أن الاستفتاء متلاشية من متلاشيات الزمن القديم. وأعلن استحالته، مما فتح للمغرب الطريق نحو مبادرة الحكم الذاتي لمساعدة الأمم المتحدة نفسها..!.
وعليه، فإن الموقف البوعبيدي متماسك، في القضية والمعالجة.في الشكل والمضمون!.

الكاتب : عبد الحميد جماهري – بتاريخ : 08/يناير /2026.

عن جريدة الاتحاد الاشتراكي

‫شاهد أيضًا‬

قراءةتقديميةقدمها الشاعر والناقذ والمخرج المسرحي محمدمفتاح لقصيدة الشاعر عبد الله الرخا :” انا الشاهدعلى قيدالحياة”

لست أدريكيف خطفتُ قوتٓ العصافيروكيف تشابك ظلي بظلهاوكيف بُحت لها،في واضحة النهار*لست ادريك…