لم تعد مقولة ديكارت «أنا أفكّر إذن أنا موجود» صالحة لتفسير وضع الإنسان في زمنٍ أصبح التفكير فيه وظيفةً ثانوية، بينما تُدار حياته من خارج عقله.
فاليوم لم يعد الفكر هو دليل الوجود، بل الوعي؛ ولهذا نقول:
فالوعي—الفكر المجزّأ—هو البوصلة الأخيرة في عالمٍ أصبح اليقين فيه سلعة تُباع، وتُسوَّق، وتُحقن في عقول البشر كما تُحقن المخدّرات.
1. اليقين تعريفًا… وتحولًا
اليقين في الفلسفة هو أعلى درجات الاعتقاد، حيث يبدو الحكم نهائيًا لا يقبل النقض.
كان الوصول إليه في الأزمنة العقلانية يتم عبر البرهان والشك والتحقيق.
لكن اليوم، صار اليقين مُنتَجًا إعلاميًا وسياسيًا يُلقَّن للفرد قبل أن يسأل أو حتى يفكّر.
قال نيتشه محذّرًا:
«لم تعد الحقائق موجودة، هناك فقط تأويلات».
ولكن العالم المعاصر، بدل أن يستفيد من هذه الحكمة، قرّر أن يحوّل التأويل ذاته إلى يقين مُزيّف، جاهز للاستهلاك.
2. الشك… أداة الماضي
الشك الذي كان مفخرة العقل الفلسفي—من سقراط الذي قال «الحكمة هي أن تعرف أنك لا تعرف» إلى ديكارت الذي جعل الشك منهجًا—صار اليوم يُنظر إليه كتهمة.
بدل أن يكون الشكّ طريقًا إلى الحقيقة، أصبح يُعامل كنوع من التمرد أو “نظرية مؤامرة”.
لقد اخترع الإنسان الحديث خوفًا جديدًا: الخوف من السؤال.
قال هيدغر:
«أخطر الأخطار أن ينسى الإنسان السؤال».
واليوم نحن نعيش هذا الخطر بكل تفاصيله.
3. عصر اليقين الجاهز: الإعلام يصنع الواقع
لقد أصبح الإعلام، كما يقول بودريار، «ينتج الواقع كما تنتج المصانع السلع».
كل صورة يقين.
كل خبر يقين.
كل زعيم يقين.
كل شعار يقين.
يقين بلا جذور، بلا برهان، بلا شك، بلا عقل.
إنه يقينٌ مريح… ولذلك هو مخدّر.
الإنسان لا يريد حقيقة تتعبه؛ يريد يقينًا يسكنه، يطمئنه، يخدّره ليواصل الحياة دون وعي.
4. مرض العصر: البحث عن مَن يكذب علينا
أخطر ما نعيشه اليوم ليس كثرة الأكاذيب، بل رغبتنا في تصديقها.
السياسي الذي يعد بالخلاص يصبح زعيمًا قبل أن يُجرَّب.
المؤثر الذي يكذب يصبح مصدرًا للثقة.
المعلومة الملفّقة تنتشر لأنها “مريحة”.
يقول هابرماس:
«الفضاء العمومي أصبح مجالًا ملوّثًا بالدعاية لا بالنقاش».
هذا التلوث هو ما يجعل الإنسان يفضّل يقينًا زائفًا على شكٍّ صادق.
5. الوعي بدل التفكير
إن اليقين الذي يُصدَّر إلينا يوميًا هو يقينٌ قاتل:
يخدر العقل، يشلّ الشك، يطمس السؤال، ويحوّل الإنسان إلى مستهلك للمعنى لا منتج له.
ولهذا نقول اليوم:
«أنا أعي، إذن أنا متواجِد»
لأن الوعي هو آخر حصون الذات أمام طوفان اليقين المزيّف.
6. هل نحن مخدَّرون باليقين؟
نعم، وبعمق.
والدليل أن الإنسان لم يعد يسأل: من قال؟ ولماذا قال؟ وكيف قال؟
بل يسأل: هل قال؟ فقط، ثم يُصدِّق.
صار الشكّ..الذي بنى الحضارة ..يبدو “ترفًا” أو “فوضى”، بينما الحقيقة تُختزل في ما يُعرض على الشاشة.
لقد جعل العصر الحديث من اليقين مخدّرًا جماعيًا:
يخدعنا، يُسكّننا، يوجّهنا، ويعيد تشكيل وعينا حتى لا نلاحظ أننا فقدنا قدرتنا على السؤال.
خاتمة :
إذا شعرتَ وأنت تقرأ هذا النص بأنك لست متأكدًا من شيء،
وأن يقينك لم يعد يقينًا،
وأن الشك بدأ يعود إليك…
فهذه أول خطوة للوعي.
فالإنسان لا يبدأ وجوده إلا عندما يبدأ في الشك.
وكل يقين لا يمرّ عبر الشك…
ليس سوى نوعٍ راقٍ من التخدير.
من يومياتي التأملية
محمد اللحاف …
