تُعدّ عبارة «المغرب يسير بسرعتين» من أبرز الرسائل السياسية التي اختزلت التفاوتات المجالية التي طبعت مسار التنمية بالمملكة، وأثارت نقاشًا متجددًا حول سبل تحقيق التوازن بين مختلف المجالات الترابية. وهي عبارة لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد توصيف لواقع قائم، بل بوصفها مدخلًا لإعادة التفكير في أولويات السياسات العمومية، ولا سيما في مجالي إعداد التراب الوطني والتعمير.

فبعد مرحلة حظيت فيها البنيات التحتية المهيكلة باهتمام متزايد، بالنظر إلى دورها في ربط المجالات الترابية وتنشيط الاقتصاديات الجهوية، استفادت المدن الكبرى، باعتبارها عواصم وأقطابًا جهوية، من نصيب مهم من الاستثمارات العمومية والمشاريع المهيكلة. وقد أسهمت هذه الدينامية، المدعومة بإرادة الدولة، في تعزيز جاذبية عدد من الحواضر المغربية، واستقطاب الاستثمارات والكفاءات والموارد البشرية والمادية.

غير أن ترسيخ مكتسبات هذه المرحلة يقتضي اليوم الانتقال إلى أفق تنموي أكثر تكاملًا وتوازنًا، يقوم على إعادة الاعتبار للأدوار الاستراتيجية التي يمكن أن تضطلع بها المدن الصغرى والمتوسطة والمراكز الحضرية القروية في تنمية الثروة الوطنية، وتعزيز التكامل بين المجالات الحضرية والقروية، وتوسيع نطاق الاستفادة من ثمار النمو. ومن ثم، فإن تجاوز اختلالات التنمية الترابية لا يتحقق بمجرد تقوية الأقطاب الكبرى، بل يستلزم أيضًا بناء شبكة حضرية متكاملة، تتوزع فيها الوظائف الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية بصورة أكثر إنصافًا وفعالية.

وفي هذا السياق، تبرز الاستدامة باعتبارها خيارًا تنمويًا يتجاوز منطق النمو الظرفي إلى ضمان تلبية حاجيات الأجيال الحالية، دون المساس بحق الأجيال المقبلة في العيش الكريم والاستفادة العادلة من الموارد والفرص.

ومن هنا، تكتسي الإشارات الملكية الداعية إلى معالجة التفاوتات المجالية وتعزيز التنمية المتوازنة أهمية خاصة، لما تتيحه من فرص لتجديد التفكير في موقع المدن الصغرى والمتوسطة ضمن المنظومة الوطنية لإعداد التراب والتعمير. فهذه المدن، بحكم عددها ووزنها الديمغرافي وموقعها داخل النسيج الترابي الوطني، تشكل ركيزة أساسية في بناء تنمية أكثر توازنًا، كما تمثل حلقة وصل حيوية بين الأقطاب الحضرية الكبرى ومحيطها القروي.

ولا تنبع أهمية هذه المدن من حجمها المحدود فحسب، بل أيضًا من طبيعة الوظائف التي تستطيع الاضطلاع بها، ومن قدرتها على تنظيم المجالات المحيطة بها، وتقريب الخدمات من السكان، وتحفيز المبادرات الاقتصادية والاجتماعية. فهي ليست مجرد تجمعات سكنية محدودة الامتداد، وإنما فضاءات قادرة على احتضان التحضر، واستقطاب الأنشطة، وتيسير اندماج العالم القروي في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية الوطنية.

وتتجلى الأهمية الاستراتيجية للمدن الصغرى والمتوسطة في مجموعة من الوظائف والإمكانات، أبرزها:

  • تحسين التكامل المجالي وتقريب الخدمات: من خلال توفير الخدمات الأساسية والإدارية والاجتماعية للسكان، والاستجابة لحاجيات مجالها الترابي المباشر بكفاءة أكبر، بما يحد من اضطرارهم إلى التنقل نحو المدن الكبرى.
  • تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: عبر الاضطلاع بدور محوري في تنشيط الاقتصاد المحلي والجهوي، ودعم المقاولات والمبادرات المنتجة، وخلق فرص الشغل، وتطوير الأنشطة الثقافية والاجتماعية.
  • ترسيخ البعد الإنساني في التخطيط الحضري: من خلال توفير فضاءات عمرانية أكثر قابلية للعيش، وأقرب إلى حاجيات السكان، بما يعزز جودة الحياة والتفاعل الاجتماعي والانتماء إلى المجال المحلي.
  • تطوير الحكامة المحلية والمشاركة المواطنة: بفضل إمكانية تقوية قنوات التواصل المباشر بين المؤسسات المنتخبة والسكان، وتوسيع المشاركة في تحديد الأولويات وصياغة البرامج وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها.
  • تيسير التخطيط المحلي للتنمية المستدامة: عبر إعداد وتنفيذ برامج عمل مندمجة تستحضر الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، وتستفيد من المبادئ التي تؤطر أجندة القرن الحادي والعشرين، المعروفة باسم «أجندة 21».
  • تعزيز فعالية التخطيط والبرمجة الترابية: من خلال تحسين التنسيق بين الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية، وتطوير قواعد المعطيات والمؤشرات الإحصائية اللازمة لتوجيه الاستثمارات وترشيد استعمال الموارد.

إن هذه الإمكانات تجعل من المدن الصغرى والمتوسطة رافعة أساسية لتصحيح الاختلالات المجالية، شريطة ألا يظل الاعتراف بأهميتها حبيس الخطاب أو التصورات النظرية، بل أن يترجم إلى سياسات عمومية واضحة، وبرامج تمويل ملائمة، وآليات فعالة للتنفيذ والتتبع والتقييم.

وإذا كان المغرب قد حقق تقدمًا ملموسًا في تطوير بنياته التحتية وتعزيز جاذبية عدد من أقطابه الحضرية الكبرى، فإن استكمال هذا المسار التنموي يظل رهينًا بمدى القدرة على توسيع دائرة الاستفادة من الاستثمار والنمو لتشمل مختلف المجالات الترابية، ولا سيما الجماعات القروية بمناطقها السهلية والجبلية والهضبية والصحراوية. ويتطلب ذلك تقوية الروابط الوظيفية والاقتصادية بين المدن الصغرى والمتوسطة ومحيطها القروي، وتطوير أدوارها في توفير الخدمات وفرص الشغل، وتحسين قدرتها على استقطاب الاستثمارات وتثمين المؤهلات المحلية.

ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى بلورة مخطط وطني مندمج لتنمية المدن الصغرى والمتوسطة والمراكز الحضرية القروية، يحدد أدوارها في التنظيم الترابي، ويصنفها وفق وظائفها وإمكاناتها، ويربط تنميتها بحاجيات المجالات المحيطة بها. وينبغي أن يستند هذا المخطط إلى تشخيص دقيق للفوارق المجالية، وتحديد الأولويات الاستثمارية، وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، ودعم الاقتصاد المحلي، وتأهيل النسيج العمراني، وتعزيز الحكامة والتنسيق بين مختلف مستويات التدبير الترابي.

إن الرهان الحقيقي لا يكمن في الحد من جاذبية المدن الكبرى أو الانتقاص من دورها، بل في بناء منظومة ترابية متكاملة تتوزع فيها فرص التنمية بصورة أكثر توازنًا، وتتحول فيها المدن الصغرى والمتوسطة إلى مراكز حيوية للإنتاج والخدمات والابتكار، وجسور فعالة بين العالمين الحضري والقروي.

فهل تكون المرحلة المقبلة بداية عهد جديد للمدن الصغرى والمتوسطة بالمغرب، بما يجعلها في صلب مشروع وطني للعدالة المجالية والتنمية المستدامة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال ستظل مرتبطة بمدى الانتقال من تشخيص الاختلالات والإقرار بأهمية هذه المدن إلى بلورة رؤية وطنية واضحة، مدعومة ببرامج عملية وموارد كافية وآليات ناجعة للتنفيذ والتقييم.

‫شاهد أيضًا‬

منطق “الضرورة السياسية”؟ قراءة في كتاب “الأمير” للكاتب نيكولا مكيافيلي * الحسين بوخرطة

ليس الغاية من قراءة وتحليل كتاب “الأمير” لنيكولا مكيافيلي هو الإشادة ببعض مضام…