كلما تابعنا ما يجري عند الجارة الإسبانية في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي، يتأكد أن الحكومة الاشتراكية التقدمية بقيادة بيدرو سانشيز لا تتعامل مع قضايا التشغيل، ومحاربة البطالة، والحماية الاجتماعية، والسكن، والمهاجرين، والصحة العمومية، كملفات تقنية معزولة، بل كاختيارات سياسية مرتبطة بفكرة الدولة الاجتماعية والعدالة المجالية. ورغم اختلاف النظام السياسي والمؤسساتي بين إسبانيا والمغرب، فإن القاسم المشترك يبقى واضحا: المواطنات والمواطنون لا ينتظرون خطبا حول الإصلاح، بل ينتظرون طبيبا، وسريرا، ودواء، وموعدا معقولا، ومستشفى عموميا يحفظ الكرامة. والمقارنة هنا لا تقوم على تشابه المؤسسات، بل على تشابه السؤال الاجتماعي: هل تتدخل الدولة لحماية الحق في العلاج، أم تترك المواطن ينتقل من ضعف المستشفى العمومي إلى كلفة المصحة الخاصة؟
لهذا، فإن ما أقدمت عليه الحكومة الإسبانية يوم 12 ماي 2026، من خلال مشروع قانون يجعل التدبير العمومي للمستشفيات هو الأصل، ويقيد اللجوء إلى القطاع الخاص، يجب ألا يمر في المغرب كخبر خارجي. إنه سؤال مباشر لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية: لماذا تقرأ إسبانيا مخاطر الخوصصة الصحية بوضوح، بينما نكاد نحن نمضي في الاتجاه المعاكس، رغم أن كل المعطيات متوفرة في الصحف الوطنية والجهوية الإسبانية، وفي تقارير الحكومة والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني؟
إسبانيا تسعى إلى تحصين المستشفى العمومي… والمغرب يوسع التغطية دون تحصين العرض العمومي
المنظومة الصحية الإسبانية، رغم لامركزيتها وتعقيدها، عادت اليوم إلى سؤال بسيط وجوهري: من يجب أن يدبر المستشفى العمومي؟ هل يبقى المرفق الصحي تحت سلطة الدولة والجهات، أم يتحول تدريجيا إلى مجال مفتوح أمام الشركات الخاصة؟
مشروع قانون التدبير العمومي ونزاهة النظام الوطني للصحة يجيب بوضوح: التدبير العمومي المباشر هو القاعدة، واللجوء إلى القطاع الخاص استثناء. وهذا ليس موقفا إداريا فقط، بل إعلان سياسي بأن الصحة العمومية لا ينبغي أن تتحول إلى سوقيتحكم فيه العرض والطلب.
في المقابل، يعرف المغرب مسارا ملتبسا. نعم، هناك تعميم للحماية الاجتماعية، وهناك حديث عن الوحدات الصحية الترابية، والرقمنة، والحكامة، ومسار العلاج. لكن السؤال الحقيقي ما زال مؤجلا: هل تعميم التغطية يقوي المستشفى العمومي فعلا، أم يوسع الطلب على خدمات لا يجدها المواطن إلا في المصحات الخاصة؟
حين تتجه نسبة تفوق 90% من تعويضات التعاضديات، حسب المعطيات المتداولة في النقاش العمومي، نحو المصحات الخاصة، فإننا لا نكون أمام مجرد رقم مالي، بل أمام مؤشر سياسي خطير. المال العام يميل إلى تقوية القطاع الخاص أكثر مما يرمم المستشفى العمومي. المواطن يساهم، التعاضديات تعوض، المصحات تستفيد، بينما يبقى المستشفى العمومي محاصرا بنقص الموارد البشرية، وضعف التجهيزات، وطول المواعيد.
إسبانيا تسأل: كيف نحمي العمومي؟ والمغرب مطالب بسؤال: من يستفيد من اصلاح المنظومة الصحية ؟
الفرق بين التجربتين لا يظهر فقط في القوانين، بل في زاوية النظر. إسبانيا تسأل اليوم: كيف نمنع خوصصة ما تبقى من المستشفى العمومي؟ أما المغرب، فينبغي أن يسأل بجرأة: من يستفيد فعليا من إصلاح الصحة؟ هل يستفيد المواطن عبر خدمة عمومية قريبة وجيدة، أم يستفيد القطاع الخاص عبر تدفق التعويضات؟
الإصلاح الذي لا يجيب عن سؤال المستفيد الحقيقي يبقى إصلاحا ناقصا، مهما كانت لغته جذابة. فالمشكل لا يكمن فقط في أن المصحات الخاصة تستفيد من التعويضات، بل في أن هذا المسار يخلق دورة مالية مقلوبة: المواطن يساهم باسم التضامن، والتعاضدية تعوض باسم الحماية، لكن النتيجة النهائية تقوي العرض الخاص أكثر مما تعيد بناء العرض العمومي. وهنا يصبح السؤال سياسيا: هل نحن أمام حماية اجتماعية تعيد توزيع المخاطر الصحية، أم أمام آلية جماعية لتمويل سوق العلاج؟
إسبانيا تسعى إلى ضبط اللامركزية الصحية… والمغرب يخاطر بإعادة إنتاج الفوارق الترابية
النظام الصحي الإسباني يقوم على لامركزية واسعة. هناك 17 مصلحة صحية جهوية، والجهات المستقلة تتولى تدبير جزء كبير من الخدمات الصحية. لكن هذه اللامركزية لا تعني انسحاب الدولة. فالدستور الإسباني لسنة 1978 يعترف، في فصله 43، بالحق في حماية الصحة، ويمنح الفصل 149.1، الفقرة 16 للدولة صلاحية وضع الأسس العامة والتنسيق العام للصحة، كما رسخ القانون العام للصحة لسنة 1986 مبادئ الكونية والإنصاف واللامركزية.
بمعنى آخر، إسبانيا تقول: نعم للجهوية الصحية، لكن داخل نظام وطني ضامن للحد الأدنى المشترك. ولهذا يوجد المجلس الترابي المشترك للنظام الوطني للصحة CISNS، كآلية للتنسيق بين الدولة والجهات، وتتبع الجودة، والإنصاف، وسلة الخدمات.
أما في المغرب، فإن تجربة الوحدات الصحية الترابية قد تكون فرصة حقيقية، لكنها قد تتحول أيضا إلى خطر إذا لم تؤطر بمنطق الإنصاف. فالجهوية الصحية لا ينبغي أن تعني أن جهة تتوفر على الأطباء والتجهيزات، وجهة أخرى تنتظر. ولا ينبغي أن ينتقل المواطن من مركزية متعبة إلى جهوية غير عادلة. الخطر ليس في تقريب القرار من التراب، بل في غياب ضمانات وطنية تجعل الحق في العلاج متساويا بين طنجة، وتطوان، والراشيدية، وزاكورة، والدار البيضاء والعيون والداخلة وكرسيف….
إسبانيا تسعى إلى تقييد القطاع الخاص… والمغرب يترك المصحات الخصوصية تكبر من ضعف القطاع العمومي العمومي
الحكومة الإسبانية لم تقل إنها ضد القطاع الخاص. لكنها قالت شيئا أهم: القطاع الخاص لا يجب أن يصبح بديلا عن المستشفى العمومي. لذلك يلغي المشروع الإسباني القانون 15/1997، الذي فتح منذ سنة 1997 الباب أمام نماذج التدبير الخاص داخل الصحة العمومية، ويمنع العقود التي تجمع فيها شركة خاصة واحدة بين بناء البنية التحتية الصحية وتدبير الخدمات العلاجية داخلها.
هذا المنع يحمل دلالة عميقة. فحين تبني الشركة المستشفى، ثم تدبر العلاج، ثم تتحكم في الخدمة والكلفة، تصبح الصحة مجالا للربح الدائم. هنا لا يعود المريض مواطنا صاحب حق، بل يتحول إلى مصدر دخل متكرر.
في المغرب، لا يبدو أن النقاش يسير بالوضوح نفسه. فالقطاع الخاص يتوسع، والتعويضات تتجه إليه، والمستشفى العمومي يضعف، ثم نسمع أن الشراكة ضرورية. نعم، الشراكة قد تكون ضرورية في بعض الحالات، لكن حين تصبح الشراكة بديلا عن الاستثمار في العمومي، فنحن لا نصلح المنظومة، بل نعيد توزيع ضعفها لصالح من يملك القدرة على الفوترة.
إسبانيا تسعى إلى الشفافية والتقييم… والمغرب يكثر من لغة الحكامة دون مؤشرات منشورة
واحدة من أهم نقاط القوة في المشروع الإسباني أنه لا يكتفي بإعلان النوايا. فهو يشترط تبرير اللجوء إلى التدبير غير المباشر، وإخضاعه لتقييم، ونشر مؤشرات سنوية حول جودة الرعاية والنتائج الصحية. كما ينص على إعداد تقرير تقييمي، داخل أجل سنة، حول تجارب التدبير الصحي منذ 1997.
هذا هو الفرق بين الإصلاح كخطاب، والإصلاح كمساءلة. أما في المغرب، فنحن نسمع كثيرا كلمات من قبيل الحكامة، النجاعة، الرقمنة، الالتقائية، الشراكة. لكنها تبقى مفردات ناقصة إذا لم تقترن بأرقام منشورة: كم يذهب من أموال التغطية إلى المستشفيات العمومية؟ كم يذهب إلى المصحات الخاصة؟ ما آجال الانتظار حسب الجهات؟ كم طبيبا وممرضا لكل إقليم؟ ما أثر التعويضات على جيب المواطن؟ وهل تقلصت الفوارق أم تعمقت؟
ما ينقص النقاش الصحي في المغرب ليس فقط المعطيات، بل الشجاعة في طرح الأسئلة المزعجة. فالوزارة تتحدث عن الحكامة، لكنها لا تضع أمام الرأي العام خريطة دقيقة لتدفق أموال التغطية الصحية. وتتحدث عن العرض الصحي، لكنها لا توضح بما يكفي كيف ستعيد الاعتبار للمستشفى العمومي أمام توسع المصحات الخاصة. وتتحدث عن الوحدات الصحية الترابية، لكنها مطالبة بأن تضمن ألا تتحول هذه الوحدات إلى مجرد واجهة جديدة لتدبير نفس الخصاص القديم.
إسبانيا تربط الصحة بالإنصاف الاجتماعي… والمغرب يترك المواطن بين البطاقة والفاتورة
إسبانيا لم تكتف بمشروع قانون المستشفيات. فقد رافقته بإصلاح نظام المساهمة في ثمن الأدوية. تم توسيع عدد أشطر المساهمة من ثلاثة إلى ستة أشطر. فالذين تقل مداخيلهم عن 9000 يورو يحتفظون بنسبة مساهمة قدرها 40%، لكن بسقف شهري لا يتجاوز 8.23 يورو. والذين تتراوح مداخيلهم بين 9000 و17,999 يورو حدد سقفهم في 18.52 يورو. أما المداخيل بين 18,000 و34,999 يورو فتحدد مساهمتها في 45%، بسقف شهري قدره 61.75 يورو. كما تم إحداث شطر وسيط للمتقاعدين بين 18,000 و60,000 يورو سنويا.
وتبلغ الكلفة المالية لهذا الإصلاح 265.63 مليون يورو، حتى لا يصبح ثمن الدواء سببا في انقطاع العلاج. كما خصصت الحكومة 56.8 مليون يورو سنة 2026 للصحة النفسية والوقاية من الانتحار، منها 39 مليون يورو للصحة النفسية، و17.83 مليون يورو للوقاية من الانتحار.
هذه الأرقام ليست تفاصيل مالية باردة. إنها تعني أن الدولة عندما تؤمن بالصحة كحق، توجه المال العمومي نحو حماية الفئات الضعيفة والمتوسطة. أما في المغرب، فإن المواطن قد يحمل بطاقة التغطية، لكنه يصطدم بغياب الطبيب، أو بعد الموعد، أو ضعف التجهيز، أو فاتورة المصحة. وهنا تتحول الحماية الاجتماعية من وعد بالكرامة إلى بطاقة لا تكفي وحدها للعلاج.
حين تتقدم المصالح الخاصة… يتراجع معنى الدولة الاجتماعية
حين توجد مصالح اقتصادية قوية في الفلاحة، والصناعة، والاستيراد، والتصدير، والسياحة، يصبح من المشروع أن نخاف من انتقال نفس المنطق إلى الصحة. فالقطاع الصحي ليس مجالا عاديا للاستثمار، لأنه يرتبط بالحياة والمرض والهشاشة. لذلك فإن أي إصلاح لا يضع حدودا واضحة بين القرار العمومي والمصلحة الخاصة، قد يفتح الباب أمام تضارب مصالح أخطر من كل القطاعات الأخرى.
وهنا نفهم لماذا يتعامل جزء من الرأي العام مع الحكومة الحالية كحكومة قريبة من منطق المصالح والربح أكثر من قربها من هموم الدولة الاجتماعية. فالصحة لا تحتمل هذا الالتباس. لا يمكن أن نرفع شعار الحماية الاجتماعية، وفي الوقت نفسه نترك المستشفى العمومي يضعف، والمصحات الخاصة تكبر، والتعويضات تتدفق، والمواطن يؤدي الفرق من جيبه.
إسبانيا تسعى إلى استرجاع المبادرة العمومية… والمغرب مطالب بتصحيح الاتجاه
إذا أرادت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أن تستفيد من الدرس الإسباني، فالأمر لا يحتاج إلى بعثات دراسية كثيرة. المعلومات متوفرة في الصحافة الإسبانية، وفي تقارير الحكومة، وفي النقاش السياسي والاجتماعي هناك. المطلوب هو الإرادة.
أولا، يجب جعل التدبير العمومي للمستشفى قاعدة قانونية صريحة، لا مجرد نية عامة. ثانيا، ينبغي ألا تمر أي شراكة مع القطاع الخاص دون تبرير مسبق يوضح الحاجة، والكلفة، والمدة، والأثر. ثالثا، يجب إحداث هيئة مستقلة لتقييم الشراكات الصحية قبل توقيعها وبعد تنفيذها. رابعا، يجب نشر مؤشرات سنوية عن جودة الخدمات في كل مؤسسة تستفيد من تمويل عمومي أو تعويضات جماعية. خامسا، يجب تتبع مسار أموال التغطية الصحية والتعاضديات، حتى يعرف المواطن هل تمول مساهماته المستشفى العمومي أم المصحات الخاصة. سادسا، ينبغي منع الجمع بين بناء المستشفى وتدبير خدماته من طرف الفاعل الخاص نفسه. سابعا، يجب تقوية الوحدات الصحية الترابية بمنطق الإنصاف لا بمنطق إعادة إنتاج الفوارق. ثامنا، يجب اعتماد سلة خدمات صحية وطنية مضمونة في كل جهة. وتاسعا، ينبغي ربط تمويل الصحة بنتائج ملموسة: تقليص آجال الانتظار، توفير الأدوية، تقوية الاستعجالات، وتحسين جودة العلاج.
الخلاصة: بين حكومة تحمي الصحة وحكومة تمول السوق
المقارنة بين إسبانيا والمغرب تكشف اتجاهين مختلفين. المنظومة الصحية الإسبانية، رغم تناقضاتها، تسعى اليوم إلى إعادة المستشفى العمومي إلى مركز القرار. أما ما يجري في المنظومة المغربية فيثير الخوف من اتجاه معاكس: توسيع التغطية دون تقوية كافية للعرض العمومي، وترك المصحات الخاصة تستفيد من ضعف المستشفى ومن تدفق التعويضات.
ما نحتاجه اليوم ليس إصلاحا صحيا يطمئن المقاولات أكثر مما يطمئن المرضى، ولا تغطية صحية تفتح للمواطن باب المصحة وتغلق في وجهه باب المستشفى العمومي. نحتاج إلى اختيار سياسي واضح: مال الحماية الاجتماعية يجب أن يعود أولا إلى تقوية المرفق العمومي، لأن الدولة الاجتماعية لا تقاس بعدد المؤمنين فقط، بل بعدد المواطنات والمواطنين الذين يجدون العلاج في الوقت المناسب، وبكرامة، ودون خوف من الفاتورة.
الصحة ليست سلعة. المستشفى ليس مقاولة. والمريض ليس زبونا. هذه ليست جملة بلاغية، بل معيار سياسي لأي إصلاح صحي. ومن لا ينطلق منها، سيغير القوانين والهياكل، لكنه سيترك المواطن في المكان نفسه: بين مستشفى عمومي منهك، ومصحة خاصة مكلفة، ودولة اجتماعية ما زالت تبحث عن معناها الحقيقي.
محمد السوعلي :
عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
الكاتب الإقليمي للحزب بتطوان…..
