في زمن يتسابق فيه الخطاب السياسي نحو السطح، تظل الذاكرة وحدها قادرة على تعميق النظر. هذه قراءة في كيف يفكر الزمن فينا، حين نؤجل الفهم ونستعجل الحكم:

ليست التجارب السياسية ما تقاس بضجيجها اللحظي، بل بما تخلفه من ترسبات في الوعي الجمعي وما تؤسسه من قواعد في الفعل العمومي. فالتاريخ، حين يستدعى، لا يعود بصفته سردا، بل بصفته أداة لفهم ما يربطنا بزمننا السياسي، وما يحدد موقعنا بين ما مضى وما ينبغي أن يكون.

فالسياسة لا تمارس في فراغ، بل في سياق متراكم تتقاطع فيه البنى والمؤسسات والذاكرات. وحين تنفصل التجربة عن تاريخها، تفقد بوصلتها وتتحول إلى مجرد إدارة للوقت لا إلى صناعة للمعنى. إن الوعي السياسي لا يبنى على النسيان، لأن الذاكرة ليست خصم المستقبل بل شرطه؛ ومن يغفل جذوره، يعيد إنتاج تعثره بأسماء جديدة وصيغ مختلفة.

عرف المجال المحلي، كما غيره، تحولات متعاقبة في نمط التدبير ومصادر القرار. غير أن السؤال الجوهري لا يتعلق بمن حكم، بل بكيفية الحكم ومعنى الممارسة ذاتها. فالمقاربة العلمية تعيد النظر في العلاقة بين الفعل والنتيجة، بين الخطاب والممارسة، بين التمثيل والمسؤولية. هنا حيث تتجلى قيمة التحليل السياسي: ليس في توزيع المديح واللوم، بل في إدراك منطق التغير، وما إذا كان قد راكم معرفة مؤسساتية أم استهلك الزمن في الدوران حول ذاته.

حين نعود إلى الماضي، لا نفعل ذلك من باب الدفاع ولا من باب الإدانة، بل لأن فهم السياسة يفترض إدراك سيرورتها. كل مرحلة هي نتاج تفاعل مع شروطها الموضوعية، ومجال لتجريب ممكناتها وحدودها. الحكم عليها بمنطق اللحظة إسقاط منهجي، لذلك تقاس التجارب بقدرتها على تحويل الزمن إلى خبرة، لا بمدى صداها في الذاكرة الشعبية. فقراءة الوثيقة، واستنطاق المعطى، وتحليل الخطاب، ليست أدوات للمرافعة بل سبل لإنتاج الوعي النقدي.

ومع ذلك، لا يعني هذا الغوص في التاريخ انسحابا من الحاضر. فالفكر النقدي لا يشترط أن يعيش الوقائع كي يفهمها؛ إنه يقف على مسافة منها كي يمنحها معناها. من يقرأ السياسة بعين الباحث لا يحتاج أن يكون شاهدا على الحدث، بل قادرا على تفكيكه. الحاضر ليس قطيعة مع الأمس، بل امتداد له في شكلٍ جديد، والشباب، وإن لم يعايشوا مراحل بعينها، يملكون من أدوات التحليل ما يجعلهم أقدر على قراءتها دون انفعال. إنهم يعيشون الحاضر بوعي ممتد في الزمن، يحمل أجوبة لا تنفصل عن جذورها، ويقترح حلولا تنبع من قراءة نقدية للتجربة لا من نفيها.

وإذ يشار إلى فترات من الركود التنموي، فذلك لا يندرج في خطاب المرافعة ايضا، بل في منطق المساءلة المتزنة. الإنصاف هنا ليس تبريرا، بل تصحيح للرؤية؛ فمن أسس لما هو قائم يستحق أن يذكر، ومن عطل السيرورة يسائل. فالسياسة ليست مجالا للقطيعة بل لتراكم المعنى، ولا تبنى التجارب على الإنكار، بل على استعادة الخيط الناظم الذي يصل بين الفكرة والممارسة.

الإشكال الحقيقي في الوعي السياسي المحلي لا يكمن في قلة الفاعلين، بل في ضعف القدرة على التفكير عبر الزمن. كثير من الخطابات تختزل التاريخ في أشخاص، وتتعامل مع السياسة كحكاية انفعالية لا كمجالٍ للبحث في الأنساق والقواعد التي تضبط حركتها التاريخية ومالاتها المؤسساتية (القوانين الناظمة للفعل السياسي). وحده الفكر الذي يحرر نفسه من أسر اللحظة يستطيع أن يصوغ مشروعا يتجاوزها.

وقد عبر هيغل عن هذه اللحظة بعبارة مكثفة حين قال: بوم المينيرفا لا يحلّق إلا عند الغسق (في إشارة رمزية إلى أن الحكمة — التي يمثلها بوم المينيرفا — لا تنطلق إلا بعد أن تهدأ حركة النهار، أي بعد أن تكتمل التجربة وتستوعب في الفكر، لأن الفهم الفلسفي لا يسبق الواقع بل يفسره بعد وقوعه)؛ أي أن الفهم لا يولد إلا بعد انقضاء التجربة. فالحكمة لا تُستخرج من الحدث، بل من قراءته بعد أن يهدأ ضجيجه. ومن هنا، لا يعد استحضار الماضي فعلا من أفعال الحنين، بل أحد أشكال مقاومة التبسيط، واستعادة الوعي بما فقد من معنى في زحمة الوقائع.

الإنصاف التاريخي ليس ترفا أخلاقيا، بل ضرورة معرفية لتأسيس المستقبل. حين يعاد ترتيب الذاكرة بمنهج علمي، تتحرر السياسة من أسر الانفعال، ويستعيد النقاش العمومي قدرته على توليد الأفكار بدل تبادل الاتهامات. تلك هي اللحظة التي يتحول فيها النقد إلى وفاء، والوفاء إلى وعي، ويغدو السؤال الأجدر بالطرح ليس: من أخطأ؟ بل: كيف نتعلم؟

إن النقاش حول الذاكرة السياسية ومسارات التدبير المحلي يكتسب أهميته من كونه تمرينا جماعيا على التفكير العمومي، لا من كونه سجالا ظرفيا. فكلما تعددت زوايا النظر، اتسع أفق الفهم، وتعززت ثقافة المشاركة في الشأن العام. من هنا، يصبح إغناء النقاش من طرف مختلف الفاعلين السياسيين ضرورة لا ترفا، لأنه يحرك الوعي ويوقظ الحس النقدي.
ومع ذلك، لا بد أن يدار هذا النقاش بأدوات الفكر لا بغرائز الاصطفاف. فحين تغيب القدرة على التحليل، يتحول الحوار إلى تحولق حول الأشخاص بدل تحليقٍ بالأفكار، وتستبدل الرؤية النقدية بالضجيج الجماعي. إن النقاش الجاد لا يقوم على التبعية العاطفية، بل على الحجة والمعرفة والمقارعة، ولا يقاس بكثرة الأصوات او ارتفاعها، بل بصفاء الفهم وعمق المعنى.

فالسياسة، في معناها الأعمق، ليست إدارة للمصالح ولا منافسة على المواقع، بل سعي لإنتاج معنى العيش المشترك. لذلك، لا يمكن للفكر السياسي أن يظل مراقبا من بعيد؛ فكل وعي نقدي هو شكل من أشكال الفعل، وكل تحليل هو بداية مشروع. وما نطمح إليه ليس إعادة توزيع الأدوار داخل المشهد، بل إعادة تعريف هذا المشهد ذاته على ضوء المعرفة والمسؤولية والمساءلة.

ان الذين يفكرون بعمق في الشأن العام لا يفعلون ذلك ليبرروا أو ليدينوا، بل ليحرروا السياسة من ضيقها، ويعيدوا إليها ما فقدته من كرامة الفكرة وصدق الغاية. عند تلك اللحظة، يتجاوز الفاعل السياسي صفته الوظيفية ليصبح صانع أفق. وحين يصبح الفكر أداة للفعل، تغدو الذاكرة السياسية طوعا وخادمة للمستقبل، لا عبئا على الحاضر.

وقد تتبدى أحيانا في الفضاء العمومي أفكار تغري بالقطيعة مع الماضي، وتدعو إلى النظر إليه كعبء يجب التخفف منه بدعوى أن زمنه قد انقضى. غير أن مثل هذه الرؤية، مهما اتشحت بلبوس التجديد، تغفل أن الذاكرة ليست نقيض الحاضر بل شرط وعيه؛ فالتاريخ لا يستعاد بوصفه سردا منتهيا، بل باعتباره طاقة للفهم ومصدرا لتصحيح المسار. إن التحرر من الماضي لا يكون بإلغائه، بل بفهم منطقه الداخلي والتمييز بين ما يورث كعبرة وما يتجاوز كخطأ. فالمجتمعات التي تنفصل عن ذاكرتها تفقد تدريجيا قدرتها على التعلم، لأن من يقطع مع جذوره يظل معلقا في فراغ الزمن.

وفي دات السياق ، يلاحظ أن العلاقة بين الأجيال داخل الحقل السياسي كثيرا ما تفهم في إطار وصائي تقليدي، يختزل حضور الشباب في موقع المتلقي لا المشارك. والحال أن الشباب لا يحتاجون إلى الإرشاد أو الوعض، بل إلى فضاء ينصت إليهم فيه بجدية ومسؤولية، فهم لا يدخلون السياسة طلبا للتوجيه، بل رغبة في إعادة تعريفها من داخلها. إن الوعي الجديد لا يتأسس عبر التلقين، بل عبر الحوار؛ فجيل يمتلك أدوات التحليل، ورؤية نقدية للواقع، لا يقاد إلى الطريق بل يصنعه.

تارودانت : مصطفى اهدار

‫شاهد أيضًا‬

قراءةتقديميةقدمها الشاعر والناقذ والمخرج المسرحي محمدمفتاح لقصيدة الشاعر عبد الله الرخا :” انا الشاهدعلى قيدالحياة”

لست أدريكيف خطفتُ قوتٓ العصافيروكيف تشابك ظلي بظلهاوكيف بُحت لها،في واضحة النهار*لست ادريك…